للمجتهد خاصة علوم اللغة [1] ، كما اعتبر الشاطبي الجهل باللغة من أسباب البدع والمحدثات [2] ، ومن يطلع على كتاب"الحَيْدة"- إن صحت نسبته - يجد مناظرة ممتعة بين عبدا لعزيز الكناني وبين بشر المريسي بحضرة المأمون، وبين فيها عبدا لعزيز جَهْلَ بِشْر باللغة وبأصول الفقه"خاصة القواعد اللغوية"ذلك الجهل الذي جعله يقول ببدعة خلق القرآن وقد أشار الشاطبي إلى هذه المناظرة [3] وأشار إليها ابن حجر [4] .
الأمر الثاني: أنه لا يجوز تقديم دليل على آخر أقوى منه، فضلا عن ما هو ليس بدليل، وهذا هو أساس الأقوال المرجوحة في المذاهب الفقهية، كما أنه أساس الخلط الموجود بساحة العمل الإسلامي المعاصر. فلا يعارض كتاب أو سنة بقول صحابي أو بفعله، فضلا عمن بعده من التابعين وأئمة المذاهب الفقهية، فبعض الناس يخالفون الكتاب والسنة إلى قول فلان من الفقهاء إذا وافق هذا القول هواهم أو هوى من يفتونه، وكذلك لا يعارض كتاب أو حديث صحيح بحديث ضعيف، ولا يعارض النص بالقياس أو بالقول بالمصلحة ونحوه.
وقد ذكر الشيخ الألباني أن من أصول الخلف التي تُرِكَت السنة بسببها: عدم الاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة (وهذا سنفصله بعد ذلك) وتقديم القياس على خبر الآحاد وتقديم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح وغيرها [5] . والمقصود هنا أن نضع الأدلة في مواضعها من حيث الاحتجاج ولا نقدم دليلا على آخر أقوى منه، ولا نقدم اجتهادا على نص حتى لا نقدم بين يدي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
الأمر الثالث: إن هناك أمورًا يعتبرها بعض الناس حجة ويستدلون بها على التحليل والتحريم أو الحق والباطل، وهذه الأمور ليست ضمن الأدلة الشرعية المعتبرة وبالتالي فهي ليست بحجة في الفعل أو الترك، ومنها:
1 -الرؤيا لا تفيد تحليلًا أو تحريمًا أو مخالفةَ ما ثبت بالشرع [6] .
2 -الكشف وخرق العادة (الكرامة) لا تفيد تحليلًا أو تحريمًا أو مخالفةً للشرع، ولا تعطي لصاحبها هذا الحق مما يسبغه عليه الجهلة [7] .
3 -حديث النفس وما يقع في القلب (الإلهام) لا يفيد تحليلًا أو تحريمًا أو مخالفةً للشرع وقال ابن حجر - في شرح حديث قصة موسى مع الخضر عليهما السلام:"ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة فقالوا: إنه يستفاد من قصة موسى والخضر أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والأغبياء، وأما الأولياء والخواص فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم - إلى أن قال - فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه استغني بما يَنْجلي"
(1) الموافقات: 4/ 108 - وما بعدها.
(2) الاعتصام له: ج2/ ص293 - وما بعدها.
(3) الاعتصام: 1/ 241.
(4) فتح الباري: 13/ 494.
(5) كتاب الحديث حجة بنفسه: ص39،40.
(6) انظر الاعتصام للشاطبي: 1/ 260 و الموافقات للشاطبي: 1/ 82، 2/ 266 - وما بعدها وتفسير القرطبي: 16/ 306.
(7) انظر الاعتصام للشاطبي: 1/ 212 و الموافقات للشاطبي: 2/ 266 - وما بعدها.