فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 36

الله:"أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحل له أن يدعها لقول أحد" [1] ، وهذا هو قول أئمة المذاهب الأربعة المشهورة وغيرها.

وروى ابن عبد البر - في جامع بيان العلم - بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر".

وقد ذكر العلامة الشنقيطي فصولا نافعة في التقليد وما يجوز منه وما يذم في تفسير قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} من سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - بتفسيره [2] .

والمقصد هنا التحذير من التعصب لمذهب أو لرجل حي أو ميت فلا ينبغي للمسلم أن يستمسك أبدا إلا بالكتاب والسنة أي بالدليل الشرعي، أما التعصب للمذاهب وللرجال بحق وبباطل فهو من خصال الجاهلية المذمومة، كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} [3] .

وللشيخ محمد الحامد رسالة بعنوان"لزوم اتباع مذاهب الأئمة حسما للفوضى الدينية" [4] أوجب فيها تقليد مجتهد بخصوصه [5] واستدل بقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} والآية ليس فيها وجوب تقليد عالم بعينه أو مذهب بعينه كما أسلفنا، ولم يستدل على إيجابه للتقليد بغير هذه الآية في كل رسالته، فلا دليل له. كما قال ابن القيم إنه لا يوجد نص كتاب أو سنة يوجب تقليد مذهب بعينه. وبهذا تعلم أنه لا يوجد دليل يوجب تقليد مذهب بعينه.

(مسألة) ونرى أن الاجتهاد ماض لا ينقطع ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة.

لقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» متفق عليه عن معاوية، وروى مسلم عن ثوبان مرفوعا «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» .

والطائفة تطلق على الواحد فما فوقه، فالحديث نص في أن الأرض لا تخلو من قائل بالحق، قائم بالحجة، وهذه رحمة من الله تعالى بخلقه، وحجة على المعاندين والزائغين. وقال ابن القيم رحمه الله:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه: لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكيلا تبطل حجج الله وبَيِّنَاته" [6] .

ومن المعلوم أن النصوص متناهية، وأن الأحداث تتجدد، منها ما بحثه السلف في الوقائع المُفْتَرضَة ومنها ما لم يبحثوه، فلابد من وجود المجتهد الذي يستنبط أحكام هذه الأحداث المتجددة، وإلا تخبط الناس في الجهل وانقطعت حجة الله على خلقه.

(1) إيقاظ همم أولي الأبصار: ص58 للفلاني.

(2) أضواء البيان: ج7/ص428 - وما بعدها.

(3) سورة البقرة.

(4) والرسالة المذكورة (طبع مكتبة المنار بالأردن الطبعة الثانية) .

(5) ص42.

(6) إعلام الموقعين: ج4/ ص150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت