فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 36

وقال صاحب كتاب فتح المجيد - في شرح حديث الطائفة المنصورة:"واحتج به الإمام أحمد على أن الاجتهاد لا ينقطع مادامت هذه الطائفة موجودة" [1] ، قلت: وهذا هو قول أكثر الحنابلة وآخرين، خلافا للجمهور الذين جَوَّزوا خلو الزمان عن مجتهد، وحجة الجمهور حديث عبد الله بن عمرو في قبض العلم، مرفوعا:"إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقي ناس جهال، يستفتون فيفتون برأيهم فَيَضِلون ويُضِلُّون"رواه البخاري [2] .

قلت: وحجة الحنابلة أقوى فهي مُثْبِتَة والجمع بين الحديثين - فيما أرى والله أعلم بالصواب - أن العلماء الصالحين يَقِلون في كل جيل وكل طبقة عن ذي قبل، ويكثُر الجهال المنتحلون للعلم، ومع ذلك فلابد من وجود العلماء الأثبات في كل جيل وإن كان بِقِلّة عما قبله. وهذا الجمع بين الحديثين يؤيده حديث أنس مرفوعا: «من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل» رواه البخاري، ورَوَي عنه أيضا مرفوعا: «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم» ، وقد ورد في شرح هذه الحديث ما يبين المراد بالشر، فقال ابن حجر:"وقد استُشْكِل هذا الإطلاق مع أن بعض الأزمنة تكون في الشر دون التي قبلها ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبدا لعزيز وهو بعد زمن الحجاج بيسير - إلى أن قال - ثم وَجَدت عن عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد وهو أولى بالاتباع - إلى أن قال - ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال «لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان قبله أََمَا إني لا أعني أميرا خيرا من أمير ولا عاما خيرا من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خَلَفَا، ويجيء قوم يُفتون برأيهم» وفي لفظ عنه من هذا الوجه: «وما ذاك بكثرة الأمصار وقلتها ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يُفتون في الأمور برأيهم فَيَثْلمون الإسلام ويهدمونه» " [3] .

قلت: أَمَّا قبض العلماء بإطلاق فلا يكون إلا مع هبوب الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين من الأرض، وذلك بعد نزول عيسى عليه السلام وموته، فيبقي شِرار الخلق عليهم تقوم الساعة، وهبوب الريح هو أمد هذه الطائفة المنصورة، وهذا كما رواه مسلم في المحاورة التي دارت بين عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر رضي الله عنهم [4] .

وانظر كذلك الجمع بين الحديثين في كتاب"الروض الباسم" [5] لمحمد بن إبراهيم الوزير اليماني.

وهناك فائدة أخرى في الجمع بين حديثي الطائفة المنصورة وقبض العلم، وهو وجوب قيام العلماء الأثبات المشار إليهم في حديث الطائفة المنصورة بكشف ضلالات المضلين المذكورين في حديث قبض العلم الذين يُضِلّون الناس بأهوائهم وآرائهم، وهذا يستفاد أيضا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» وقد سبق الكلام فيه.

(1) ط: أنصار السنة ص277.

(2) انظر فتح الباري: ج13/ص286.

(3) فتح الباري: ج13/ ص21.

(4) صحيح مسلم بشرح النووي: ج13/ ص67،68.

(5) ج1/ ص38، ط: دار المعرفة 1399هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت