فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 36

ومما يدخل في خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول، معظم أحاديث صحيحي البخاري ومسلم التي لم يتكلم فيها أحد من أهل العلم.

(مسألة) التقليد المذهبي جائز وليس بواجب على كل أحد.

أ - التقليد: هو العمل بقول الغير من غير حجة.

ب - وكونه جائزًا ففي حق العامي الذي لا يمكنه فهم الدليل، قال الشيخ الألباني:"قال ابن عبد البر عقب ما سبق عنه ملخصا:"وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لابد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها، لأنها لا تتبين موقع الحجة، ولاتصل لعدم الفهم إلى علم ذلك، لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة، والله أعلم. ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله عزّ وجل: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وأجمعوا على أن الأعمى لابد له من تقليد غيره ممن يثق بمعرفته بالقبلة إذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له، ولا بصر بمعنى ما يدين به، لابد له من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف العلماء أنه لا يجوز للعامة الفتيا، وذلك - والله أعلم - لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم والقول في العلم"."

على أنني أرى أن إطلاق الكلام في العامي، وأنه لابد له من التقليد لا يخلو من شيء لأنك إذا تذكرت أن التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة، فمن السهل في كثير من الأحيان على بعض أذكياء العامة أن يعرف الحجة لوضوحها في النص الذي بلغه، فمن الذي يزعم أن مثل قوله - صلى الله عليه وسلم: «التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين» لا تبين الحجة فيه لهم، بل ولمن دونهم في الذكاء؟ ولذلك فالحق أن يقال: إن من عجز عن معرفة الدليل فهو الذي يجب عليه التقليد. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها"اهـ [1] ."

ج - فإذا جاز التقليد للعامي، فإنه لا يجب عليه أن يقلد مذهبًا بعينه في كل أمر فإن الحق ليس محصورا في مذهب واحد، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [2] ، فعلم من هذه الآية أنه لا عصمة في قول أحد بعد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، بل كل أحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤخذ من قوله ويرد. وقال ابن القيم رحمه الله:"وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان، أحدهما: لا يلزمه، وهو الصواب المقطوع به، إذا لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مُبَّرأ أهلها من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به، فالعامي لا مذهب له، لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيرا بالمذاهب - إلى أن قال - ولا يلزم أحدا قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدرا وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك"اهـ [3] .

(1) نقلا عن كتاب الحديث حجة بنفسه للألباني: ص85،86.

(2) النساء.

(3) إعلام الموقعين: 4/ 262.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت