والحديث وإن كان بصيغة الخبر إلا أنه يفيد الأمر بذلك، ووجدت ابن أبي حاتم الرازي قد رواه في كتابه"الجرح والتعديل"بصيغة الأمر هكذا «ليحمل هذا العلم ... » الحديث [1] . والذي أحب أن أنبه عليه هنا، هو أن هذا العلم لا يصح أن يُغْلق بابه - وإن كان قد أهمل زمنا - إذ الحاجة إليه لا تنقطع لوجود الغالين والمبطلين والجاهلين في كل جيل ولذلك نص الحديث على وجوب القيام على هؤلاء في كل جيل بقوله - صلى الله عليه وسلم: «من كل خلف» . ونحن في هذا الزمان أحوج ما نكون إلى أداء هذا الواجب لتفشي الشبهات والضلالات.
ج - القيام على أهل البدع: قال الشاطبي رحمه الله في الاعتصام:"الحكم في القيام على أهل البدع من الخاصة أو العامة، وهذا باب كبير في الفقه، تعلق بهم من جهة جنايتهم على الدين وفسادهم في الأرض وخروجهم عن جادة الإسلام - إلى أن قال - فنقول: إن القيام عليهم بالتثريب أو التنكيل أو الطرد أو الإبعاد أو الإنكار هو بحسب حال البدعة في نفسها من كونها عظيمة المفسدة في الدين، أم لا وكون صاحبها مشتهرًا بها أو لا، وداعيا إليها أو لا، ومستظهرًا بالأتباع وخارجا عن الناس أو لا، وكونه عاملا بها على جهة الجهل أو لا."
وكل من هذه الأقسام له حكم اجتهادي يخصه، إذ لم يأت في الشرع في البدعة حَدًّ لا يُزاد عليه ولا يُنقص منه، كما جاء في كثير من المعاصي، كالسرقة والحِرابة والقتل والقذف والجِرَاح والخمر وغير ذلك. لا جرم أن المجتهدين من الأمة نظروا فيها بحسب النوازل، وحكموا باجتهاد الرأي تفريعا على ما تقدم لهم في بعضها من النص، كما جاء في الخوارج من الأثر بقتلهم، وما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صبيغ العراقي.
فخرج من مجموع ما تكلم فيه العلماء أنواع (أحدها) الإرشاد والتعليم وإقامة الحجة كمسألة ابن عباس رضي الله عنهما حين ذهب إلى الخوارج فكلمهم حتى رجع منهم ألفان أو ثلاثة آلاف. (والثاني) الهجران وترك الكلام والسلام حسبما تقدم عن جملة من السلف في هجرانهم لمن تلبس ببدعة، وما جاء عن عمر رضي الله عنه من قصة صبيغ العراقي. و (الثالث) كما غَرَّب عمر صبيغا ويجري مجراه السجن وهو. (الرابع) كما سجنوا الحلاج قبل قتله سنين عديدة. (والخامس) ذكرهم بما هم عليه وإشاعة بدعتهم كي يحذروا، ولئلا يغتر بكلامهم، كما جاء عن كثير من السلف. و (السادس) القتال إذا ناصبوا المسلمين وخرجوا عليهم كما قاتل علي رضي الله عنه الخوارج وغيره من خلفاء السنة. (والسابع) القتل إن لم يرجعوا مع الاستتابة وهو قد أظهر بدعته وأما من أَسَرَّها وكانت كفرا أو ما يرجع إليه فالقتل بلا استتابة وهو (الثامن) لأنه من باب النفاق كالزنادقة. (والتاسع) تكفير من دل الدليل على كفره، كما إذا كانت البدعة صريحة في الكفر كالإباحية والقائلين بالحلول كالباطنية. (الوجه العاشر) وذلك لأنه لا يرثهم ورثتهم من المسلمين ولا يرثون أحدا منهم، ولا يغسلون إذا ماتوا، ولا يُصَلَّى عليهم ولا يُدْفَنون في مقابر المسلمين، ما لم يكن المستتر، فإن المستتر يُحكم له بحكم الظاهر، وورثته أعرف بالنسبة إلى الميراث. (والحادي عشر) الأمر بأن لا يناكحوا، وهو من ناحية الهجران، وعدم المواصلة. (والثاني عشر)
(1) الجرح والتعديل: ج2/ ص17، ط: حيدر آباد الدكن 1371هـ.