خامسًا: على المجاهدين في سبيل الله أن يبذلوا كل ما في استطاعتهم ويستفرغوا كل ما في وسعهم ويتقنوا عملهم كل الإتقان, ويحرصوا كل الحرص على عدم الإهمال والتقصير في أخذ ما استطاعوا من أسباب, ومع ذلك يتوكلوا على الله ويثقوا به, ثم بعد ذلك يرجون من الله تعالى قبول أعمالهم وتحقق النصر والفتح وإعلاء كلمة الله تعالى. فقد مر بنا كلام العلماء أن الرجاء لا يكون إلا بعد تقديم الأسباب المستطاعة يقول صاحب منهاج القاصدين ضاربا المثال (فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع، فكل من طلب أرضًا طيبة، وألقى فيها بذرًا جيدًا غير مسوس ولا عفن، ثم ساق إليها الماء في أوقات الحاجة، ونقَّى الأرض من الشوك والحشيش وما يفسد الزرع، ثم جلس ينتظر من فضل الله تعالى دفع الصواعق والآفات المفسدة، إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته، فهذا يسمى انتظاره رجاء. فأما إن بذر في أرض سبخة صلبة مرتفعة لا يصل إليها الماء ولم يتعاهدها أصلًا، ثم انتظر الحصاد، فهذا يسمى انتظاره حمقًا وغرورًا، لا رجاء. وإن بث البذر في أرض طيبة، ولكن لا ماء لها، وأخذ ينتظر مياه الأمطار، سمّى انتظاره تمنيًا لا رجاء. فالعبد إذا بث بذر الإيمان، وسقاه ماء الطاعات، وطهر القلب من شوك الأخلاق الرديئة، وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره لذلك رجاءً محمودًا باعثًا على المواظبة على الطاعات والقيام بمقتضى الإيمان إلى الموت. وإن قطع بذر الإيمان عن تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحونًا برذائل الأخلاق، وانهمك في طلب لذات الدنيا، ثم انتظر المغفرة، كان ذاك حمقًا وغرورًا. قال الله تعالى:(فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) [الأعراف: 169] وذم القائل: (وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا) [الكهف: 36] ).
أعاذنا الله من ذلك وجعلنا ممن يرجون رحمته ويعملون بمقتضياتها الموصلة للفوز بها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.