الصفحة 96 من 220

قال الشيخ السعدي في تفسيره:" (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ) -الذي أصابكم- (أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ) ولا شك أن هذا رحمة بهم، وإحسان وتثبيت لقلوبهم، وزيادة طمأنينة؛ لأن الخائف لا يأتيه النعاس لما في قلبه من الخوف، فإذا زال الخوف عن القلب أمكن أن يأتيه النعاس. وهذه الطائفة التي أنعم الله عليها بالنعاس هم المؤمنون الذين ليس لهم هم إلا إقامة دين الله، ورضا الله ورسوله، ومصلحة إخوانهم المسلمين."

وأما الطائفة الأخرى الذين (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ) فليس لهم هم في غيرها، لنفاقهم أو ضعف إيمانهم، فلهذا لم يصبهم من النعاس ما أصاب غيرهم، (يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ) وهذا استفهام إنكاري، أي: ما لنا من الأمر -أي: النصر والظهور- شيء، فأساءوا الظن بربهم وبدينه ونبيه، وظنوا أن الله لا يتم أمر رسوله، وأن هذه الهزيمة هي الفيصلة والقاضية على دين الله، قال الله في جوابهم: (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) الأمر يشمل الأمر القدري، والأمر الشرعي، فجميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وعاقبة النصر والظفر لأوليائه وأهل طاعته، وإن جرى عليهم ما جرى". انتهى."

ويقول صاحب الظلال في الآية: أما الطائفة الأخرى; فهم ذوو الإيمان المزعزع الذين شغلتهم أنفسهم وأهمتهم, والذين لم يتخلصوا من تصورات الجاهلية, ولم يسلموا أنفسهم كلها لله خالصة, ولم يستسلموا بكليتهم لقدره, ولم تطمئن قلوبهم إلى أن ما أصابهم إنما هو ابتلاء للتمحيص وليس تخليًا من الله عن أوليائه لأعدائه, ولا قضاء منه سبحانه للكفر والشر والباطل بالغلبة الأخيرة والنصر الكامل: (وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ) , إن هذه العقيدة تعلم أصحابها -فيما تعلم- أن ليس لهم في أنفسهم شيء فهم كلهم لله; وأنهم حين يخرجون للجهاد في سبيله يخرجون له ويتحركون له ويقاتلون له بلا هدف آخر لذواتهم في هذا الجهاد وأنهم يسلمون أنفسهم لقدره فيتلقون ما يأتيهم به هذا القدر في رضا وفي تسليم كائنًا هذا القدر ما يكون.

وقد رد سبحانه على قولتهم: (هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ) بقوله: (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) فلا أمر لأحد, لا لهم ولا لغيرهم. ومن قبل قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) , فأمر هذا الدين والجهاد لإقامته وتقرير نظامه في الأرض وهداية القلوب له. . كلها من أمر الله, وليس للبشر فيها من شيء إلا أن يؤدوا واجبهم ويفوا ببيعتهم, ثم يكون ما يشاؤه الله كيف يكون!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت