وفي معنى الرجاء يقول صاحب مختصر منهاج القاصدين: فالرجاء: هو ارتياح لانتظار ما هو محبوب عنده ولكن ذلك المتوقع لابد له من سبب حاصل فاسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس إلى اختياره، وهو فضل الله سبحانه، بصرف الموانع المفسدات.
ويقول ابن القيم -رحمه الله-:"الرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب وهو الله والدار الآخرة ويطيب لها السير. وقيل: هو الاستبشار بجود وفضل الرب تبارك وتعالى والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه. وقيل: هو الثقة بجود الرب تعالى والفرق بينه وبين التمني أن التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد, والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل. فالأول: كحال من يتمنى أن يكون له أرض يبذرها ويأخذ زرعها, والثاني: كحال من يشق أرضه ويفلحها ويبذرها ويرجو طلوع الزرع. ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل. وسئل أحمد بن عاصم: ما علامة الرجاء في العبد؟ فقال: أن يكون إذا أحاط به الإحسان ألهم الشكر راجيًا لتمام النعمة من الله عليه في الدنيا والآخرة وتمام عفوه عنه في الآخرة. وبالجملة: فالرجاء ضرورى للمريد السالك والعارف لو فارقه لحظة لتلف أو كاد. فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه, وعيب يرجو إصلاحه, وعمل صالح يرجو قبوله, واستقامة يرجو حصولها ودوامها, وقرب من الله ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها, ولا ينفك أحد من السالكين عن هذه الأمور". انتهى.
سعة رحمة رب العالمين
والسبب الذي يوجد الرجاء في قلب العبد المؤمن ويزيد به الرجاء ويقوى هو معرفة سعة رحمة رب العالمين فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. والذي وسعت رحمته كل شيء, وأرحم على العبد من الأم على ولدها, قال سبحانه وتعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) [الزمر: 53] . وقال تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ) [الشورى: 5] . وقال تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ) [الرعد: 6] . وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون فيغفر لهم"رواه مسلم.