وأما حقيقته -كما قال ابن القيم رحمه الله- فهو خلق أفضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها، وسئل عنه الجنيد بن محمد فقال:"تجرع المرارة من غير تعبّس"، وقال ذو النون:"هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة"، وقيل:"الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب"، وساحة العافية أوسع للعبد من ساعة الصبر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور:"إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي"، ولا يناقض هذا قوله صلى الله عليه وسلم:"وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر"، فإن هذا بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر، وأما قبله فلعافية أوسع له.
تكلف التصبر ليصير سجية
وقيل:"الصبر شجاعة النفس"ومن هاهنا أخذ القائل قوله:"الشجاعة صبر ساعة"وقيل:"الصبر ثبات القلب عند موارد لاضطراب"قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) , فأمرهم بالصبر وهو احل الصابر في نفسه، والمصابرة وهي حالة في الصبر مع خصمه والمرابطة وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله التقوى وأن الفلاح موقوف عليها فقال: (وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، والصبر خلق يكتسب فلا يقل أحد إنني بطبعي سريع الغضب لا أستطيع الصبر، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:"وإذا تكلفه العبد واستدعاه صار سجيةً له كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ومن يتصبر يصبره الله"وكذلك العبد يتكلف التعفف حتى يصير التعفف له سجية، كذلك سائر الأخلاق فلا يزال العبد يتكلف التصبر حتى يصير الصبر له سجية، كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات حتى تصير له أخلاقًا بمنزلة الطبائع، وقد جعل الله سبحانه في الإنسان قوة القبول والتعلم، فنقل الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل."
ارتباط الصبر بالعبادات