الصفحة 30 من 220

قال أهل التفسير: أي لولا ما شرعه الله من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك وعطلوا مواضع العبادات, لكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة, فالجهاد أمر متقدم في الأمم, وبه صلحت الشرائع, وحفظت أماكن عبادة الله تعالى, فلولا القتال والجهاد لتُغُلِّب على الحق في كل أمة, فمن استبشع من النصارى واليهود الجهاد فهو مناقض لمذهبه إذ لولا القتال لما بقي الدين الذي يذب عنه, ولهُدِم في زمن موسى عليه السلام الكنائس, وفي زمن عيسى عليه السلام الصوامع والبيع, وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد, وإنّ الله سبحانه قادر على أن يهلك الكافرين بأمره, ولكن جرت سنة الله عز وجل أن يبتلي عباده ليظهر المؤمن من المنافق, ويتميز الصادق من الكاذب كما قال تعالى: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ*سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ* وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) .

وقال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) .

وقال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) .

فمن صبر وجاهد في سبيل الله فهو المؤمن الصادق الذي أعد الله له جنات تجري من تحتها الأنهار, ومن قعد غير معذور فقد باء بالإثم والخسران في الدنيا والآخرة.

ولقد ابتليت الأمة في الأزمان المتأخرة بكثير من أدواء الأمم السابقة فوقع فيها التفرق والاختلاف والشقاق والبعد عن الدين الذي أعزّها الله به والاغترار بالانتساب المحض والأسماء دون الحقائق فتسلط عليها العدو الكافر لما تركت الجهاد في سبيل الله حبا للدنيا وكراهية للموت فنزل العدو الكافر في أرض المسلمين عيانًا بقواته العسكرية الغاشمة فأفسد العباد والبلاد, ومحا أحكام الشريعة الإسلامية وكسر شوكة المسلمين, ثم لما استقر له الأمر وعلم أن المسلمين -وإن كانوا نائمين- لا يقبلون بالعدو الكافر وسيستيقظون وعلم أن فيهم نخوة وإن كانت مخدرة فستتحرك بعد حين وعلم أن فيهم أبطالًا لا يرضون بالضيم, لما علم ذلك عمد إلى حيلة خبيثة فقطع بلاد المسلمين كما تقطع الشاة المذبوحة لتذهب ريحهم وتزول قوتهم وحد من أجل ذلك الحدود ووضع أشد القيود لمن أراد من المسلمين أن يتنقل من قطعة إلى قطعة, وغرس في نفوس المسلمين العصبية الوطنية والقومية الجاهلية لتكون بديلا عن الرابطة الدينية والجامعة الإسلامية حتى صار الحب والبغض من أجل الوطن ومن أجل القوم بدلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت