البارحة أخونا سألني عن قضية الطعام والنوم والحياة اليومية؛ هل الأفضل أن يعيشها القائد مع الجنود أو يتميز عنهم؟ يعني هل تنزل القيادة وتأكل مع الجنود أو تأكل في غرفة خاصّة؟ قيادة المعسكر تأكل في غرفة خاصة.
كثيرًا ما اشتكى الإخوة في الجهاد حتى رفعوا شكوى كبيرة للشيخ أنّ القيادة يأكلون لوحدهم في غرفة ولا يأكلون مع الجنود، فإذا كنت قائدًا فأيّهما أفضل؛ تأكل لوحدك أو تأكل مع الجنود؟ تنام معهم أو تنام لوحدك؟
فأنا بالتجربة وجدت أن كثرة الأكل والشرب معهم والإتيان بالنشاطات الإنسانية العادية مع المرؤوس؛ تذهب بهيبة الرئيس، وتذهب بهيبة الأستاذ، وتذهب بهيبة القاضي، وتذهب بهيبة الشيخ في الدرس، وتذهب بهيبة إمام الصلاة.
ومن الأشياء التي قرأتها عن كثرة الاختلاط عن ابن القيم أو ابن الجوزي أنه نقل حكمة عن حكيم ينصح ابنه فقال:"ألا ترى أن من أكثر من مخالطة السباع لم يعد يهابها"، يعني مروّض الأسود كل يوم مع الأسود يُؤكلها ويعيش معها فلم يعد يخاف من الأسود.
هيبة القائد والقاضي والإمام والشيخ والأستاذ تضيع من خلال كثرة الاحتكاك، على أن يكون بين الفترة والفترة دليل على أنك متواضع ولست متكبرًا بأن تأتيهم مرة فتأكل الطعام معهم وتشرب معهم كأس شاي ممّا يدلّ على أنّك لست متكبرًا عليهم وتختلط بهم بصورة تلقائية طبيعية، هذا بين القائد والجنود وليس أبناء الطبقة الواحدة، يعني بين الأمير وأعوانه التَّماس أكبر.
تقرأ في التاريخ أمور عن هيبة القادة أشياء تظنّها من الخيال!، ذكروا في مناقب العزّ بن عبد السلام (سلطان العلماء) عندما ارتحل من الشام إلى مصر وكان نجم الدين أيوب والي مصر؛ فذكروا من شجاعة العز بن عبد السلام، ما تستفيد منه جبروت نجم الدين أيوب هذا؛ قالوا:"كان نجم الدين أيوب إذا دعا أمراءه للاجتماع والمشورة ودّع كلّ منهم جواريه ونسائه وعبيده"، لأنّه من المحتمل أن يقتله في المجلس، فعنده احتمال أن لا يرجع إلى يبته، فلا أحد يتكلم ولا أحد يرفع عينه بعينه، من هيبته.
فلمّا جاء العز بن عبد السلام كان السلطان نجم الدين أيوب يمشي في الطريق بهيلمانه وبكلّ هذه الهيبة؛ فناداه الشيخ:"يا نجم الدين"، هكذا باسمه، قالوا له هذا الشيخ فقال:"ماذا تريد؟"، فقال:"كيف تسمح أن تكون في"