الجُبن في اتخاذ القرار أشرُّ من الجبن في المعركة خمسين مرة؛ القائد إذا وجد أنه يجب أن نصالح والجيش كله يريد أن يقاتل فعليه أن يصالح، وأمامك الحديبية، فصالَح - صلى الله عليه وسلم - وأقام الهدنة، والكل كان غضبانًا وغير راضٍ، وقف أحد الصحابة يوم الفتنة وقال:"أيها الناس اتهموا رأيكم، فقد وجدتني يوم الحديبية ولو أنني أستطيع أن أرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددته"، وتعرفون موقف عمر.
وكذلك قرار الانسحاب والانحياز من المعركة، إذا كانت كل الناس تريد أن تُقدِم والقائد رأى أنه يجب أن ننحاز ويترك المواقع فعليه فعل ذلك، خالد بن الوليد -رضي الله عنه- يوم اليرموك استطلع جبهة الشام، وكانت الفتوح وصلت إلى قرب حلب، وأخذ الجزية من الناس من أهل حمص، فجاء الروم بحشود عظيمة جدًا، درس الموقف فلم يجد في كل سوريا -فهي بلد مسطحة- مكان يستطيع أن يحيز الجيش إليه ويختار ساحة المعركة فيه إلا جنوب سوريا؛ لأنه بلد مُسطَّح، يعني يحتاج بمفهومنا أن يكرّ 320 - 340 كلم ويتركها للروم، وهذه الأراضي كان أخذها وأخذ الجزية من أهلها واستتب الأمر فيها وصارت دار إسلام، ولكن يجب أن يتركها عسكريًا فيرجع للخلف ويدير المعركة من الخلف، وذهب إلى أهل حمص وقال لهم: أخذنا منكم الجزية، ويجب أن نترككم، فسوف نرجعها لكم. فأرجع إليهم الجزية؛ لأنه لا يستطيع أن يحميهم، فكان هذا سببًا في إسلام كثير من نصارى حمص.
فرجع واختار مكان المعركة، فهل تتصور أن الناس كلهم كانوا موافقين؟!
فانحاز وترك البلد كلها، واختار المعركة هناك ففتح بلاد الروم إلى استنبول، وانكسر جيش الروم، فرجع وأخذ المناطق التي تركها وأخذ التي بعدها، فهل مطلوب من خالد بن الوليد أن يُفهم كل بدوي وكل أعرابي وكل مسلم من مسلمي الفتح وكل إنسان جاء البارحة وكل دكتور وكل صيدلي وكل واحد عنده شهادة الكترونيات أنه يجب أن ينحاز؟ فأين تنتهي هذه المصيبة؟ وأين حدود الشورى؟ وأين حدود القرارات؟
فتح عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الباب يوم السقيفة فوجد ضوضاء لاجتماع المهاجرين والأنصار لاختيار الخليفة، فرأى زحامًا، فقال لهم: ما القصة؟ فقالوا له: جئنا نشارك في الأمر. ولعلهم لم يكونوا رِعاعًا بل وفودًا وقبائل ومن كبار الناس، فقال لهم -سبحان الله تشعر أن شخصيته رضي الله عنه تُعشق-، قال:"ليعد صاحب"