الصفحة 13 من 67

وبالتالي يحاولون كشفه، فإذا عرفنا نحن كيف تُكشف الجرائم فسنتحاشى أن نترك آثارًا تُكشف بها الجرائم، فهذا من الثقافة العامة.

لو قرأت كتابًا في علم الأدلة الجنائية وكيف تتبّع الشرطة الأدلة فستجد أثره في التخطيط لعملية، ولو كانت العملية غنيمة لبنك، فكل ما اتّسعت المعلومات والمعرفة لدى الأمير يكون أَقْدَر على التخطيط لعمله.

الصفة السادسة:(وفرة التجارب ومخالطة الناس).

الإنسان الاعتزالي المنعزل يمكن أن يسلم له دينه وأعصابه وراحة باله وأهله، ولكن لا يصلح لأي مسؤولية عامة، الذي سيأخذ مسؤولية عامة كالجهاد أو القضاء أو الفتوى يجب أن يكون عنده مخالطة الناس، حتى أن الإمام أحمد جعلها شرطًا من شروط الفتوى، فقال:"لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال"، ذكرها ابن قدامة، أولها النية، وثانيها أن يكون عنده علم بالشرع، والخامسة مخالطة الناس، فإذا لم يكن المفتي مخالطًا للناس اشتبهت عليه الأمر وجاءه اللص في ثياب الطاهر وهكذا [1] .

فإذا كان هذا في القضاء فما بالك بالإمامة العامّة، فمن مخالطة الناس يأتيك رجل يقول لك:"يا شيخ عندنا عملية وعندنا معلومات وكذا"، فأنت من مخالطة الناس تكتشف أنّ هناك شيء غير طبيعي من عيونه ومن لباسه، أمّا لو كنت درويشًا بسيطًا فستقول:"ما شاء الله اليوم جاءنا خبر يمكن أن يكون فيها فتح وكذا"، في حين أن واحد جالس معك يقول لك:"هذا نصّاب حرامي"، فكيف عرفه قبل أن يبدأ بالتحقيق؟ بطريقة كلامه

(1) يقول ابن القيم في (إعلام الموقعين) 4\ 152:"ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد أنه قال: (لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال) ؛ أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة. الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته. الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس. الخامسة: معرفة الناس، وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحله من العلم والمعرفة؛ فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه."

ثم يقول ابن القيم:"وأما قوله"الخامسة معرفة الناس"فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيها فيه فقيها في الأمر والنهي ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله كما تقدم بيانه، وبالله التوفيق". اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت