ثم جاء في صفحة 52 إلى خلق مهم جدًا وأطال فيه وهو الحزم، وعدَّد مراتب كثيرة جدًا. الحزم هو الجِدّية في سياسة الأمور، والإنسان الحازم هو الإنسان الذي يُنفِذ قراراته، الإنسان الذي أفكاره في رأسه واضحة، حزم أمره، نوى، عزم، قرَّر يُقدم على شيء، ليس متذبذبًا في فكره وفي قراراته. ويتفرّع عنه أخلاق كثيرة. وهذا من الملكات.
ومن الأشعار التي قالها العرب:"خُلِقَ الحزمُ أَبْكَمَا"؛ يعني أخرس، يعني من الصفات المميزة للإنسان الحازم كثرة الصمت، لأنه إذا فلتت منه الأمور يحتاج أن يرقِّعها واحدة وراء الأخرى، فلا يكون من الحزم.
جاء الدهاء هنا في صفحة 55 - 56. الدهاء من الصفات اللازمة للقائد لأنه يعالج نفوسًا بشرية، ويعالج أعداء، ويعالج طامعين بالسلطة، ويعالج متسابقين على القيادة، فالدهاء له حد يكون مباحًا وحلالًا، ويتجاوز حدًا فيصبح مكرًا وخديعة، ويصبح في الصفات المذمومة.
ذُكر أن دهاة العرب أربعة، وكلهم كان في صف معاوية بن أبي سفيان -رضي الله تعالى عنه-، معاوية كان من دهاة العرب، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شغبة، وزياد بن أبيه، ولذلك موقفهم كان في غاية القوة.
الدهاء هو أن تُخرج نفسك من كل ورطة، أو هو المؤامرة المباحة.
مما روي عن عمرو بن العاص أنه لما كان في فتوح الشام سمع بحصن من الحصون شديد جدًا وأراد أن يعرف أسراره وما استطاع الاستطلاع أن يذهب ويأتي بالأسرار، وكان حكيم الروم رجلًا مشهورًا اسمه (الأرطبون) هو الذي يمسك هذا الحصن، فذهب عمرو بن العاص إليه وقال له:"أنا رسول عمرو بن العاص وأريد أن أتفاوض معك"، فتفاوضا على الأمر وبدأ يمشي في المنطقة حتى كشف بعض أسرار الحصن، ثم شعر أن الأرطبون لمس منه دهاءً وذكاءً فطمع أن يقتله حتى لا يعود مثل هذا الرجل الذكي للمسلمين، فأحس بهذا الأمر. وطبعًا كله شعور، كله في العيون دون أن يتكلم أحد، هو يعمل شيئًا فرأى في عيون الآخر أنه بدأ يفكر، ففهم ماذا يفكر، فقرر هو أيضًا ماذا سيعمل، وهذا دهاة في بعضهم ليسوا ناسًا عاديين.
فقال للأرطبون:"على كل حال هذا الأمر نحن وصلنا به إلى أمر معيّن، ولكن عند عمرو بن العاص عشرة من المستشارين أنا أقلهم، فآتيك بهم ليفاوضوك فربما نصل لاتفاق أحسن من هذا". فأطمعه بقتل عشرة، فأفلت،