فما بالك إذا كنت أنت قائدًا، وقام أحدهم بفعل شيء، فيجب أن تُعرض وتتظاهر بأنك لم تره، لأنك لو أظهرت أنك رأيته ولم تعاقبه فهذا ضعف، فيتجاوزون عليك مرة أخرى.
فهذه أمور بعضها تكسبها بالعلم وبعضها هو مَلَكَة أصلًا، وأكثره بالخبرة من كثرة ما تمر بمشاكل ومصائب فتتعلم أن تداري الآخرين، فهو خلق لازم جدًا للقائد.
والعجيب لما تجد الإنسان يداري عن ضعف، لما تجد من يذهب إلى بلاد الكفار، وكثير من إخواننا يبدأ يداري الكافرين في عاداتهم وطعامهم وشرابهم؛ لأنهم قادرون عليه، هذه ليست مداراة بل هذا ضعف ومذلة ومهانة، ولكن يداريهم لأنهم ظاهرون عليه. وتدخل إلى بلادك فتجد الكفر والعهر والضلال فتداري، ثم تأتي في مكان أنت فيه في عزة ومنعة فلا تداري!
في ذاك اليوم أحد الإخوة من الجزيرة قال لي: ما المشكلة لو نحن ضربنا المؤسسات الصليبية هنا؟ ونُظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قلت له: أنت من أين؟ قال: من جدة، قلت له: الآن إذا ترجع إلى بلدك تنزل في المطار وأول ما تصل تجد أربعة صور للأوثان الأربعة؛ عبد العزيز وعبد الله وسلطان وسلمان، لماذا لا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتأخذ العصا وتنزلهم؟ وهذا عند السلفيين وعند الوهابيين وعند الحنابلة هذا من فروض الدين، فلماذا لا تعملها وتداري؟!
الآن هنا تريد أن تظهر أنك بطل، فمداراة العاجز ليست مداراة، المداراة هي مداراة الحكيم، فهو قادر أن يعمل ولكنه دارى ولم يعمل.
الخلق خمسة وثلاثون: عدم قبول السِّعاية والنميمة، وهذا واجب في كل مسلم، الذي يقبل النميمة والسعاية مشارك فيها، والنميمة -كما تعرفون- ليست مثل الغيبة بل هي أفحش؛ الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره، النميمة هي نقل الكلام المكروه بين المتخاصمين، وهذا شائع جدًا من القواعد إلى الأمراء. حتى يتقرب من الأمير يأتي ويقول له: فلان لا يطيعك، فلان ليس مؤمنًا بالمنهج، فلان لا يفعل كذا على طريقتك ...
فمن أهم أخلاق الأمراء أن لا يأخذ بهذه النميمة من ناحية، وأن يحتقر صاحبها من ناحية، ويحذر منه، ويعلم أنه من الذين يسعون في الأرض بالفساد، ويريد أن يصل لقلب الأمير بالمحرَّم. وهذا شائع جدًا عند الملوك، وكلما