الصفحة 31 من 67

فبعد أن أورد هذه القضية سمعت تهامس بعض الشباب قالوا:"لا نسمع للشيخ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"!!

فغاب عنهم عامل المداراة، ومن أقوال العرب المشهورة:"دارِهِم ما دُمْتَ في دَارِهم"؛ فأنت تداري الإنسان لضعف عقله، في الحديث عن الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (إنك لن تُحدِّث قومًا بما لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) ، أو كم روي عنه عليه الصلاة والسلام، فأنت عليك أن تداري الجاهل لأنك إذا حمَّلته فوق فهمه سيضجر.

أذكر أنا من تجاربي البسيطة في القيادة، أيام الجهاد في سوريا أردنا أن ننجد حماة، فحشدنا كل الإمكانيات التي عندنا، فحوّلونا من مدربين بسطاء عاديين في جهاز عسكري إلى قُوَّاد، جاءت الحشود وليس هناك قادة فأخذوا يقسموننا، فأنا خرجت حصتي أنني أمير 500 شخص، عمري عشرون سنة وبدون خبرة وما زلت في التدريب فوجدت أمامي خمسمائة واحد أصغرهم لم يبلغ الحُلُم وأكبرهم شائب في الستينات من العمر، أنا كنت متدربًا في الجهاز العسكري من قرابة ثلاثة سنوات فدخلت عليهم بنفس الطريقة؛ أنت ادخل في هذا الصف، أنت تعال من هنا ... وكنا في ساحة مطار في بغداد.

فخرج لي رجل شايب فقلت له: ادخل هنا، فخرج من الصف ونسفني بهدلة أمام باقي الجموع حوالي ألف وخمسمائة شخص في ساحة المطار، فقط لأنني لم أعرف كيف أداريه وأُقدِّر الوضع، أخذت درسًا في القيادة من أعظم الدروس، فأخذت أفكر كيف أتعامل معه؟ وهو رجل كبير في الستين من العمر، لم يدرس شيئًا في الحركة، ومهاجر للجهاد جزاه الله خيرًا، واكتشفت أنه خال لبعض المجاهدين المشاهير عندنا في المدينة، ويعتبر أن عليك أن تحترمه وتقدّره، فلأني لم أُدارِه أخذت الثمن أمام ألف وخمسمائة واحد.

لما رجعنا إلى المهجع أخذت أتفكَّر في هذه المصيبة التي حصلت، فسألت كم عدد هؤلاء الشياب؟ فقالوا ستة أو سبعة في كل المجموعة، فجمعتهم وأعطيت كل واحد مسدسًا، وكنا نوزع المسدسات فقط لقائد قطاع أو قائد جناح، والباقي سلاح كلاشنكوف. وصرت أناديهم في وقت العشاء ليجلسوا معي وأتكلم معهم؛ كيفك يا أبو فلان ويا أبو علان، فأشاعوا الاحترام في كل الباقين فيما بعد.

وهذه من الدروس التي أذكرها من تجربتي الشخصية، فإذا لم تدارِ جاهلًا أو فاحشًا أو قليل عقل أو صاحب سلطان تدفع أنت الثمن، وقد يكون الثمن دماءً ودمارًا للقضايا وارتحالًا عن بلد وإغلاق فرص لا يعلم بها إلا الله -سبحانه وتعالى-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت