الصَّادِقُونَ [1] ، وفي اللغة العربية (إنّما) تستخدم للحصر، (أولئك) تفيد حصر، و (هم) تفيد الحصر، ثلاث أدوات للحصر. ( ... ) .
فهؤلاء هم الصادقون، فمن العدل أن القائد الكبير صاحب السابقة عندما يتعامل مع هؤلاء الناس؛ يرحم ضعفهم ويرحم أخطاءهم ويرحم أعصابهم ويرحم أنّ الناس تجشّمت وعندهم مشاكل ويعيشون في ظروف مادية سيئة، ومن أعظم ما يُحطِّم رجولة الرجل أن لا يتكسَّب، من قوامة الرجل على امرأته في بيته أن يتكسَّب، ولذلك قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [2] .
فتجده مهاجرًا لم يعد يستطيع أن ينفق على نفسه محطمًا، وعنده مائة مشكلة ومشكلة، فمن العدل أن لا تطالبه بظروف الجندي النموذجي، يبدر من الناس الآن أخلاق وتجاوزات وأمور لو لم تأخذها على هذا الأصل فلن تحتمل، من العدل أن تقدِّر ظروف هؤلاء المرابطين المهاجرين الذين جاؤوا معك ليجاهدوا في سبيل الله.
هذا مطلوب من عدل القائد على المقود، والعكس صحيح، من العدل أن يُقدّر هؤلاء الأتباع وهؤلاء الجنود ظروف من يقودونهم في هذه المعركة، وأنّ هؤلاء أناس أيضًا تعبوا ونصبوا ووصلوا هذه المرحلة من الإرهاق، فمن العدل أن يقدّروا ظروف اختلافهم وعدم اتفاقهم، ومن العدل أن لا يطالبوهم بالحالة المثلى.
وطبعًا نحن لا نقول لهم:"خلاص أنتم معكم حقّ لا تتفقوا"، ولكن نقول: من العدل أن الذي فوق يرحم الذي تحت، والذي تحت يقدّر ظروف الذي فوق.
ومن العدل أن يقدّر هؤلاء الجنود وجيلكم هذا الذي نسمّيه (الجيل الثالث في الجهاد) الذي لحق مؤخرًا؛ أن يقدّر ظروف من سبقه وأوصله لهذه النتيجة، من العدل أن تقدّر ظروف أولئك الذين ساهموا في إيجاد هذه الإمارة.
أنا أحزن عندما أجد بعض من أعرف أنهم كان لهم يد طولى جدًا في النتيجة التي حصلنا عليها فقاتلوا وتعبوا وجاهدوا؛ والآن مرمي تمامًا بكلّ معنى الكلمة يتكفَّف، الأمّة لا ترحم عظماءها!، ربّما أضرب لك مثالًا فلان وفلان من الناس الذين كان لهم -والله- بلاء عظيم جدًا والآن هم على هامش القضية، أصحاب خبرة خبرتهم
(1) سور الحجرات، الآية: 15.
(2) سورة النساء، الآية: 34.