الصفحة 52 من 67

فجلسوا وسقط وجهي لأنّ بعضهم كان جاء معي، ثمّ أثناء أكل الطعام التفت أحدهم وصرخ هكذا:"ملح، ما في ملح؟"، يا أخي قم جيب الملح لوحدك ولا تبهدلنا أمام الناس!، فوجدت أنّ الناس تتصرّف في الجهاد بحالة تدل على التربية وتدل على الأخلاق، فيصعب أن الإنسان يمثل فيها تمثيلًا.

ثمّ في آخر الليل وجدت هذا الأخ اليمني نائمًا هكذا متجمّع بدون غطاء بعد أن اطمأن أنّ الناس نامت، فقلت سبحان الله من هنا تفهم أن الله -سبحانه وتعالى- جعل للشهداء الذين هم أصحاب أعلى المنازل بعد النبيين والصديقين؛ جعل لهم مائة مرتبة في الجنة، وما بين المرتبة والمرتبة كما بين السماوات والأرض [1] . فبماذا تفاضل هؤلاء الناس وكلهم قُتل في سبيل الله وذهبوا ليقاتلوا العدو؟ فهذا أبو أربعة بطانيات قُتل وذلك المتجمِّع حول نفسه قُتل، فليس من المعقول أن يكون هذا في المنزلة مثل ذلك.

قبل أيام قرأت أثرًا يجعل الإنسان يحزن على نفسه!، وفي الهامش سترى قضيّة كيف أنّ الإنسان يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإذا كان يحب لنفسه هذه المنازل فيجب أن يحب للأخرين أن يبلغوا معه هذه النزلة، جاء في الأثر أنَّ"رجلًا من أهل الجنة من الدرجات العليا يرى أوّل ما يدخل على منزلته بريق ضوء التمع في أفق السماء، فيسأل ما هذا؟ فيقال له: هذا نور أخيك فلان، فيقول: سبحان الله بما بلغ هذا؟ فعدّدوا له الفوارق فقالوا: كانوا يقوم حين تنام ويصوم حين تفطر .. ، فيجد في نفسه، فيُوضع في قلبه الرضا ويُصرف إلى منزلته"، حتى لا يحزن، ولكن لبرهة وهو في الدرجات العلا يرى أناسًا التمع نورها في السماء فوقه بمسافات كبيرة، فيقول: ما هذا؟ فيقال له: هذا نور فلان فيحزن.

فتربية الناس على هذه المعاني شيئًا فشيئًا تجعل المجموعة منسجمة، ولذلك جهاد بلا تربية ثم طلب النتائج والفتوح من أعجب العجب!، من أعجب العجب أن نقوم بجهاد بهذه الطريقة ونكتفي فقط بهذا الإعداد العسكري ولا نتعب هذا التعب ثمّ نريد النصر!

في أيام الجهاد -وصدقني لا أتواضع عليكم- أنا كنت في أسفل درجات مواصفات الناس أثناء الجهاد، كنت بالمقارنة كنت أقوم قبل عشر دقائق قبل الفجر حتى ألحق أصلّي ركعتين، فإذا كنت على جنابة أو أريد الوضوء بشكل مبكّر فأرى واحدًا ساجدًا؛ فأذهب لآخر المعسكر لأجلب الماء ثم أرجع فأجده لم ينفك من السجدة!.

(1) أخرج الإمام البخاري في صحيح (2790) قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة - أراه - فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت