الصفحة 304 من 306

عندئذ يعيش الإنسان في هذه الأرض شاعرًا أنه هنا للقيام بوظيفة من قبل الله تعالى، جاء لينهض بها فترة، طاعة الله وعبادة له لا إرب له فيها، ولا غاية له من ورائها، إلا الطاعة، وجزاؤها الذي يجده في نفسه من طمأنينة ورضا عن وضعه وعمله، ومن أنس برضا الله عنه، ورعايته له. ثم يجده في الآخرة تكريمًا ونعيمًا وفضلًا عظيمًا.

وعندئذ يكون قد فر إلى الله حقًا. يكون قد فرّ من أوهاق هذه الأرض وجواذبها المعوقة ومغرياتها الملفته. ويكون قد تحرر بهذا الفرار. تحرر حقيقة من الأوهاق والأثقال وخلص لله، واستقر في الوضع الكوني الأصيل: عبدًا لله. خلقه الله لعبادته. وقام بما خُلق له. وحقق غاية وجوده. فمن مقتضيات استقرار معنى العبادة أن يقوم بالخلافة في الأرض، وينهض بتكاليفها، ويحقق أقصى ثمراتها؛ وهو في الوقت ذاته نافض يديه منها؛ خالص القلب من جوذابها ومغرياتها. ذلك أنه لم ينهض بالخلافة ويحقق ثمراتها لذاته هو ولا لذاتها. ولكن لتحقيق معنى العبادة فيها، ثم الفرار إلى الله منها!

ومن مقتضياته كذلك أن تصبح قيمة الأعمال في النفس مستمدة من بواعثها لا من نتائجها. فلتكن النتائج ما تكون. فالإنسان غير معلق بهذه النتائج. إنما هو معلق بأداء العبادة في القيام بهذه الأعمال، ولأن جزاءه ليس في نتائجها، إنما جزاؤه في العبادة التي أداها ..

ومن ثم يتغير موقف الإنسان تغيرًا كاملًا تجاه الواجبات والتكاليف والأعمال. فينظر فيها كلها إلى معنى العبادة الكامل فيها. ومتى حقق هذا المعنى انتهت مهمته وتحققت غيته. ولتكن النتائج ما تكون بعد ذلك. فهذه النتائج ليست داخلة في واجبه ولا في حسابه، وليست من شأنه. إنما هو قدر الله ومشيئته. وهو وجهده ونيته وعمله جانب من قدر الله ومشيئته. ومتى نقض الإنسان قلبه من نتائج العمل والجهد؛ وشعر أنه أخذ نصيبه، وضمن جزاءه، بمجرد تحقق معنى العبادة في الباعث على العمل والجهد، فلن تبقى في قلبه حينئذ بقية من الأطماع تدعو إلى التكالب والخصام على أعراض هذه الحياة. فهو من جانب ببذل أقصى ما يملك من الجهد والطاقة في الخلافة والنهوض بالتكاليف. ومن جانب ينفض يده وقلبه من التعلق بأعراض هذه الأرض. وثمرات هذا النشاط. فقد حقق هذه الثمرات ليحقق معنى العبادة فيها لا ليحصل عليها ويحتجزها لذاته.

والقرآن يغذي هذا الإحساس ويقويه، بإطلاق مشاعر الإنسان من الانشغال بهمّ الرزق ومن شح النفس. فالرزق في ذاته مكفول. تكفّل به الله تعالى لعباده. وهو لا يطلب إليهم بطبيعة الحال أن يطعموه -سبحانه- أو يرزقوه حين يكلفهم إنفاق هذا المال لمحتاجيه، والقيام بحق المحرومين فيه: (مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) .

وإذن لا يكون حافز المؤمن للعمل وبذل الجهد في الخلافة هو الحرص على تحصيل الرزق. بل يكون الحافز هو تحقيق معنى العبادة، الذي يتحقق ببذل أقصى الجهد والطاقة. ومن ثم يصبح قلب الإنسان معلقًا بتحقيق معنى العبادة في الجهد، طليقًا من التعلق بنتائج الجهد .. وهي مشاعر كريمة لا تنشأ إلا في ظل هذا التصور الكريم.

وإذا كانت البشرية لا تدرك هذه المشاعر ولا تتذوقها. فذلك لأنها لم تعش -كما عاش جيل المسلمين الأول- في ظلال هذا القرآن. ولم تستمد قواعد حياتها من ذلك الدستور العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت