الصفحة 297 من 306

ووفق التصور الإسلامي يعتبر الإنسان الذي لا يفجر ينابيع الأرض، ولا يستغل طاقات الكون المسخرة له، عاصيا لله، ناكلا عن القيام بالوظيفة التي خلقه الله لها، وهو يقول للملائكة (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) وهو يقولك كذلك للناس: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) ، ومعطلا لرزق الله الموهوب للعباد .. وهكذا يخسر الآخرة لأنه خسر الدنيا. والمنهج الإسلامي بهذا -يجمع بين العمل للدنيا والعمل للآخرة في توافق وتناسق. فلا يفوت على الإنسان دنياه لينال آخرته، ولا يفوت عليه آخرته لينال دنياه. فهما ليسا نقيضين ولا بديلين في التصور الإسلامي. هذا بالقياس إلى جنس الإنسان عامة. وبالقياس إلى الجماعات الإنسانية التي تقوم في الأرض على منهج الله .. فأما بالقياس إلى الأفراد فإن الأمر لا يختلف .. إذ أن طريق الفرد وطريق الجماعة -في المنهج الإسلامي- لا يختلفان ولا يتصادمان ولا يتعارضان .. فالمنهج يحتم على الفرد أن يبذل أقصى طاقته الجسمية والعقلية في العمل والإنتاج، وأن يبتغي في العمل والإنتاج وجه الله، فلا يظلم ولا يغدر ولا يغش ولا يخون، ولا يأكل من سحت، ولا يحتجز دون أخيه المحتاج في الجماعة شيئًا يملكه -مع الاعتراف الكامل له بملكيته الفردية لثمرة عمله والاعتراف للجماعة بحقها في ماله في حدود ما فرض الله وما شرع -والمنهج يسجل للفرد عمله- في هذه الحدود ووفق هذه الاعتبارات- عبادة لله يجزيه عليها بالبركة في الدنيا وبالجنة في الآخرة .. ويربط المنهج بين الفرد وربه رباطًا أقوى بالشعائر التعبدية التي يفرضها عليه، ليستوثق بهذا الرباط من تجدد صلته بالله في اليوم الواحد خمس مرات بالصلاة، وفي العام الواحد ثلاثين يوما بصوم رضمان، وفي العمر كله بحجّ بيت الله. وفي كل موسم أو في كل عام بإخراج الزكاة ..

ومن هنا قيمة الفرائض التعبدية في المنهج الإسلامي. إنها تجديد للعهد مع الله على الارتباط بمنهجه الكلي للحياة وهي قربى لله يتجدد معها العزم على النهوض بتكاليف هذا المنهج، الذي ينظم أمر الحياة كلها، ويتولى شؤون العمل والانتاج والتوزيع والحكم بين الناس في علاقاتهم وفي خلافاتهم. ويتجدد معها الشعور بعون الله ومدده على حمل التكاليف التي يتطلبها النهوض بهذا المنهج الكلي المتكامل، والتغلب على شهوات الناس وعنادهم وانحرافهم وأهوائهم حين تقف في الطريق .. وليست هذه الشعائر التعبدية أمورًا منفصلة عن شؤون العمل والإنتاج والتوزيع والحكم والقضاء، والجهاد لإقرار منهج الله في الأرض، وتقرير سلطانه في حياة الناس .. إنما الإيمان والتقوى والشعائر التعبدية شطر المنهج، المعين على أداء شطره الآخر .. وهكذا يكون الإيمان والتقوى وإقامة منهج الله في الحياة العملية سبيلا للوفرة والفيض. كما يعد الله الناس في هاتين الآيتين الكريمتين ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت