الصفحة 289 من 306

(وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) .. إنه النصر القائم على أسبابه ومقتضياته. المشروط بتكاليفه وأعبائه. والأمر بعد ذلك لله، بصرفه كيف يشاء فيبدل الهزيمة نصرًا، والنصر هزيمة عندما تختل القوائم. أو تهمل التكاليف (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) . إنه النصر الذي يؤدي إلى تحقيق المنهج الإلهي في الحياة. من انتصار الحق والعدل والحرية المتجهة إلى الخير والصلاح. المنظور فيه إلى هذه الغابة التي يتوارى فيها ظلها الأشخاص والذوات، والمطامع والشهوات .. وهو نصر له سببه. وله ثمنه. وله تكاليفه. وله شروطه. فلا يعطى لأحد جزافًا أو محاباة. ولا يبقى لأحد لا يحقق غايته ومقتضاه .. ولقد كان القرآن ينشء قلوبًا يعدها لحمل الأمانة. وهذه القلوب كان يجب أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد بحيث لا تتطلع -وهي تبذل كل شيء وتحتمل كل شيء- إلى شيء في هذه الأرض. ولا تنتظر إلا الآخرة، ولا ترجو إلا رضوان الله. قلوبًا مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها في نصب وشقاء وحرمان وعذاب وتضحية واحتمال، بلا جزاء في هذه الأرض قريب. ولو كان هذا الجزاء هو انتصار الدعوة وغلبة الإسلام وظهور المسلمين .. حتى إذا وجدت هذه القلوب التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض شيء إلا أن تعطي بلا مقابل. وأن تنتظر الآخرة وحدها موعدًا للجزاء .. موعدًا كذلك للفصل بين الحق والباطل. وعلم الله منها صدق نيتها على ما بايعت وعاهدت، أتاها النصر في الأرض وائمتنها عليه. لا لنفسها، ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي وهي أهل لأداء الأمانة، منذ كانت لم توعد بشيء من المغنم في الدنيا تتقاضاه، ولم تتطلع إلى شيء من المغنم في الأرض تعطاه، وقد تجردت لله حقًا يوم كانت لا تعلم لها جزاء إلا رضاه. فالنصر ليس بالعدد وليس بالعدة. وليس بالمال والزاد. إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله التي لا تقف لها قوة العباد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت