الصفحة 269 من 306

ودعوته في هذه السبيل، سبيل الإصلاح والتجديد والهدم والبناء، عامة للجنس البشري كافة، لا تختص بأمة دون أمة، أو طائفة دون طائفة. فهو يدعو بني آدم جميعًا إلى كلمته، حتى أنه يهيب بالطبقات الجائرة نفسها ممن اعتدوا حدود الله في أرضه، واستأثروا بخيرات الأرض دون سائر الناس. يهيب بالملوك والأمراء أنفسهم ويناديهم قائلًا: لا تطغوا في الأرض وادخلوا في كنف حدود الله التي حدها لكم، وكفوا أيديكم عما نهاكم الله عنه وحذركم إياه، فإن أسلمتم لأمر الله، ودنتم لنظام الحق والعدل الذي أقامه للناس خيرًا وبركة فلكم الأمن والدعة والسلامة فإن الحق لا يعادي أحدًا وإنما يعادي الحق الجور، والفساد والفحشاء، وأن يتعدى الرجل حدوده الفطرية، ويبتغي ما وراء ذلك، مما لاحظ له فيه حسب سنن الكون، وفطرة الله التي فطر الناس عليها.

فكل من آمن بهذه الدعوة وتقبلها بقبول حسن، يصير عضوًا في (الجماعة الإسلامية) أو (الحزب الإسلامي) لا فرق في ذلك بين الأحمر منهم والأسود، أو بين الغني منهم والفقير. كلهم سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأمة على أمة. أو لطبقة على أخرى. وبذلك يتكون الحزب العالمي أو الأممي، الذي سمى (حزب الله) بلسان الوحي.

وما أن يتكون هذا الحزب حتى يبدأ بالجهاد في سبيل الغاية التي أنشئ لأجلها فمن طبيعته، وما يستدعيه وجوده، أن لا يألو جهدًا في القضاء على نظم الحكم التي أسس بنيانها على غير قواعد الإسلام، واستئصال شأفتها، وأن يستنفد مجهوده في أن يستبدل بها نظامًا للعمران والاجتماع معتدلًا، مؤسسًا على قواعد ذلك القانون الوسط العدل الذي يسميه القرآن الكريم: (كلمة الله) . فإن لم يبذل هذا الحزب الجهد المستطاع، ولم يسع سعيه. إزاء تغيير نظم الحكم وإقامة نظام الحق .. نظام الحكم المؤسس على قواعد الإسلام ولم يجاهد حق جهاده في هذه السبيل، فاتته غايته. وقصر عن تحقيق البغية التي أنشئ لأجلها فإنه ما أنشى إلا لإدراك هذه الغاية، وتحقيق هذه البغية .. بغية إقامة نظام الحق والعدل .. ولا غاية له ولا عمل إلا الجهاد في هذه السبيل. وهذه الغاية الوحيدة التي يبينها الله تعالى في كتابه العزيز بقوله:

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) .. (آل عمران: 110) .

ولا يظن أحد أن هذا الحزب .. (حزب الله) .. بلسان الوحي .. مجرد جماعة من الوعاظ المبشرين، يعظون الناس في المساجد، ويدعونهم إلى مذاهبهم ومسالكهم بالخطب والمقالات ليس إلا .. ليس الأمر كذلك، وإنما هو حزب أنشأه الله ليحمل لواء الحق والعدل بيده. ويكون شهيدًا على الناس، ومن مهمته التي ألقيت على كاهله من أول يوم أن يقضي على منابع الشر والعدوان، ويقطع دابر الجور والفساد في الأرض والاستغلال الممقوت، وأن يكبح جماح الآلهة الكاذبة، الذين تكبروا في أرض الله بغير الحق. وجعلوا أنفسهم أربابًا من دون الله، ويستأصل شأفة ألوهيتهم. ويقيم نظامًا للحكم والعمران صالحًا يتفيأ ظلاله القاصي والداني والغني والفقير .. وإلى هذا المعنى أشار الله تعالى في غير واحدة من آي الذكر الحكيم:

(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) (الأنفال: 38) .

(إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) .. (الأنفال: 73) ..

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) .. (التوبة: 23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت