الصفحة 16 من 306

إن العقل البشري -لو ُخُلي بينه وبينه هذا الواقع- لا يقره ولا يرضاه، ولكنها الشهوات والأهواء والتضليل والخداع .. هي التي تجعل البشرية بعد أربعة عشر قرنًا من نزول هذه القرآن ترتدّ إلى هذه الجاهلية -في صورتها الجديدة- فيشركون ما لا يخلقون شيئًا وهم يُخلقون، ولا يملكون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ) . إن هذه البشرية لفي حاجة اليوم كما كانت في حاجة بالأمس إلى أن تخاطب بهذا القرآن مرة أخرى، في حاجة إلى من يقودها من الجاهلية إلى الإسلام. ومن يخرجها من الظلمات إلى النور، ومن ينقذ عقولها وقلوبها من هذه الوثنية الجديدة. بل من هذا السخف الجديد الذي تلج فيه، كما أنقذها هذا الدين أول مرة فيصبح القلب مؤمنا بحقيقة التوحيد، فيقطع الإنسان الرحلة على هذه الأرض على هُدى لأن بصره أبدًا مُعلق بنجم واحد على الأفق فلا يلتوي به الطريق .. ولأنه يعرف مصدرا واحدًا للحياة والقوة والرزق، ومصدرا واحدًا للنفع والضرر، ومصدرا واحدا للمنح والمنع فتستقيم خطاه إلى هذا المصدر الواحد، يستمدّ منه وحده ويُعلق يديه بحبل واحد يشدّ عروقه ويطمئن إلى اتجاهه إلى هدف واحد لا يزيغ عنه بصره. ويخدم سيدًا واحدًا يعرف، ماذا يرضيه فيفعله وماذا يغضبه فيتقيه، وبذلك تتجمع طاقته، كذلك وتتوحد. فينتج بكل طاقته وجهده، وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى إله واحد في السماء (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) . يضرب الله المثل للعبد الموحد والعبد المشرك، بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضا فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف. وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق. ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه .. وعبد يملكه سيد واحد وهو يعلم ما يطلبه منه ويكلفه به فهو مستريح على منهج واحد صريح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت