وإننا لنبخس القرآن قدره. إذا نحن قرأناه وفهمناه على أنه حديث عن جاهليات كانت ... إنما هو حديث عن شتى الجاهليات في كل أعصار الحياة ومواجهة للواقع المنحرف دائمًا ورده إلى صراط الله المستقيم .. وإن معظم الطواغيت اليوم في الجاهليات الحديثة لا يستطيع أن يتبجح تبجح الشيوعيين الملحدين فينفي وجود الله جملة. ويتنكر للدين علانية. إنما يلجأون إلى الأسلوب الخبيث الماكر يقولون: إنهم يحترمون الدين ويزعمون أن ما يشرعونه للناس له أصل من هذا الدين .. إنه أسلوب ألأم وأخبث من أسلوب الشيوعيين الملحدين إنه يخدر العاطفة الدينية الغامضة التي لا تزال تعيش في قرارات النفوس وإن لم تكن هي الإسلام، فالإسلام منهج واضح عملي واقع، وليس هذه العاطفة المبهمة الغامضة، ويفرغ الطاقة الفطرية الدينية في قوالب جاهلية لا إسلامية وهذه أخبث الكيد وألأم الأساليب. ثم يجيء المتحمسون لهذا الدين فيفرغون جُهدهم في استنكار جزئيات هزيلة على هامش الحقيقة الإسلامية، لا تروق لهم في هذه الأوضاع الجاهلية المشركة المغتصبة لألوهية الله وسلطانه بالجملة. وبهذه الغيرة الغبية يسبغون على هذه الأوضاع الجاهلية المشركة طابع الإسلام، ويشهدون لها شهادة ضمنية خطيرة بأنها تقوم على أصل من الدين حقًا ولكنها تُخالف عنه في هذه الجزئيات الهزيلة. ونحن نحتاج إلى هذا التذكير المستمر لأن جهود الشياطين في زحزحة هذا الدين عن مفهوماته الأساسية قد آتت ثمارها مع الأسف فجعلت مسألة الحاكمية تتزحزح عن مكان العقيدة وتنفصل في الحسّ عن أصلها الاعتقادي. ومن ثم نجد حتى الغيورين على الإسلام يتحدثون لتصحيح شعيرة تعبدية أو لاستنكار انحلال أخلاقي، أو لمخالفة من المخالفات القانونية، ولكنهم لا يتحدّثون عن أصل الحاكمية وموقعها من العقيدة الإسلامية، يستنكرون المنكرات الجانبية الفرعية، ولا يستنكرون المنكر الأكبر، وهو قيام الحياة في غير التوحيد، أي على غير إفراد الله سبحانه بالحاكمية ... إن الله قبل أن يُوصي الناس أية وصية أوصاهم ألا يشركوا به شيئا، إنها القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد بالله على بصيرة. وترتبط بها الجماعة بالمعيار الثابت الذي ترجع إليه في كافة الروابط، وبالقيم الأساسية التي تحكم الحياة البشرية. فلا تظل نهبا لربح الشهوات والنزوات، واصطلاحات البشر التي تتراوح معها الشهوات والنزوات. لذلك يجب أن تكون الوقفة الأولى للمسلم أمام أية عقيدة ليست هي الإسلام وقفة المفارقة والرفض منذ اللحظة الأولى. وكذلك وقفنه أمام أي شرع أو نظام أو وضع ليست الحاكمية فيه لله وحده إنها وقفة الرفض والتبرؤ منذ اللحظة الأولى قبل الدخول في أية محاولة للبحث عن مشابهات أو مخالفات بين شيء من هذا كله وبين ما في الإسلام .. وأيما ناس تلقوا التشريع من بشر وأطاعوه فقد عبدوه، وذلك هو تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى عن اليهود والنصارى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ .. ) عندما سمعه منه عدي بن حاتم -وكان نصرانيًا جاء ليسلم- فقال يا رسول الله ما عبّدوهم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم) (رواه الترمذي) .