فهل يعي المؤمنون سياسة القرآن بالنسبة لأمتهم في تماسكهم .. وبالنسبة لأعدائهم في عدم موالاتهم، واتخاذ بعضهم خاصة له؟. ما أصاب المسلمين بالأمس .. وما يصيبهم اليوم أو غدًا، هو بسبب عدم اتباعهم لسياسة القرآن .. وبقائهم مع حزب الشيطان فياتباع سياسة الهوى والشهوة.
من منطلق هذا المفهوم الجديد للوطن، أعلن الطهطاوي عداءه للخلافة العثمانية، وتغنى ببطولات محمد علي باشا، وأشاد بانتصاراته على العثمانيين وفي ذلك يقول:"وحروبه مع والي عكا معلومة، وجولان جنوده في الشام، وغير الشام مفهومة، ولم تكن من محض العبث، ولا من ذميم تعدي الحدود، إذ جل مقصوده تنبيه أعضاء ملة عظيمة تحسبهم أيقاظًا وهم رقود، والدليل على حسن النية أن هذه الحسنة التي على صورة الجنية، أنتجت أصل وارثي مصر، التي ترتب عليها رفع الإصر"،"ولولا بقاؤه (يقصد محمد علي باشا) (ت 1849) تحت ولاء الدولة العلية، ومراعاة حفظ الحالة الراهنة عليه من الراجحية والمرجوحية، لجال في الفتوحات الخارجة مجال اسكندر الأكبر".
ويشيد محقق الأعمال الكاملة بهذا الفكر التقدمي! لرفاعة الطهطاوي فيقول:"فهو هنا يقدم فكرًا محددًا يرى في العمل العسكري الذي مارسه الجيش المصري ضد العثمانيين، وحرر به أغلب أجزاء المشرق العربي، عملًا لا يدخل في إطار (العبث) أو (التعدي) وإنما هو تنبيه الأمة وإيقاظها من نومها ورقودها، فيا للكهف المظلم للأتراك العثمانيين، هو فكر قومي عربي لانطلب من الطهطاوي أكثر منه في ذلك التاريخ وتلك الظروف".
وانتشرت عدوى الفكر الطهطاوي في عقول أمتنا؛ فيقول أحدهم في معرض مدحه لحرب محمد علي باشا ضد الخلافة العثمانية:"ونحن في نوفمبر 1831 ها هو محمد علي يرسل ابنه إبراهيم على رأس جيش إلى فلسطين، وهاهو الجيش يتقدم بسرعة من فلسطين إلى باقي أجزاء الشام ـ في تلك الفترة كان لفظ الشام يعني فلسطين ولبنان وسوريا".
ويقول مادحًا الفلاح المصري:"الآن يتحول الفلاح نفسه إلى مقاتل منظم في جيش حديث، يهزم الإمبراطوية التي حكمته من قبل ثلاثة قرون".
من منطلق المفهوم الجديد للوطن نادى الطهطاوي بتقعيد اللهجة العامية والاعتناء بها، وحقق مشروعه بتعريبه لصحيفة (الوقائع المصرية) وتشجيعه للكتابة العامية:"وموقف الطهطاوي من اللهجة العامية جدير بالتأمل والدراسة، فقد كان الرجل يستخدم مصطلحاتها عند الترجمة إذا أعوزه المصطلح الفصيح، ويقدم المصطلح العامي على المصطلح المعرب، كما استخدم الكثير من ألفاظها في تأليفه .. وهو قد تحدث عن أهمية تقعيد قواعدها والإستفادة منها في تعليم الصناعات لأبناء الشعب، فقال: إن اللغة المتداولة في بلدة من البلاد، المسماة باللغة الدارجة، التي يقع بها في المعاملات السائرة، لامانع أن يكون لها قواعد قريبة المأخذ تضبطها، وأصول على حسب الإمكان تربطها، ليتعارفها أهل الإقليم، حيث نفعها بالنسبة إليهم عميم، وتصنف فيه كتب المنافع العمومية والمصالح البلدية".
وقد كان الطهطاوي عمليًا فكتبه زاخرة بهذه الألفاظ العامية .. ونلاحظ ذلك جيدًا في مجلة الوقائع التي كان يشرف على تحريرها وتطوير أسلوبها حيث غلبت عليها العامية المصرية .. وهكذا سن الطهطاوي سنة الكتابة بالعامية المصرية في الصحف التي صدرت في وقته وصار الخلف على نفس السنة الطهطاوية إلى وقتنا الحاضر.