أقول: هذا الحنين إلى الديار أمر فطري لاجناح عليه، ولايتناقض وعقيدة الولاء والبراء في الإسلام، لكنه في حالة تعارض الولاءات، فالرسول صلى الله عليه وسلم قدم ولاء العقيدة والإسلام على ولاء الأرض رغم أن مكة خير بقاع الأرض، فهنا انتصر ولاء العقيدة على ولاء الوطن، ومن قبل فعل نبي الله إبراهيم عليه السلام عندما تعارض ولاء الأبوة والرحم مع ولاء العقيدة قال تعالى: (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) وقال تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده) وقد كان هذا منهج الصحابة رضوان الله عليهم؛ ففي غزوة بدر تباينت الولاءات، وتمايزت البراءات، فالمهاجرون يقاتلون آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشيرتهم من المشركين، وهم بنو وطن واحد، وعشيرة واحدة، بل وعائلة واحدة، فهذا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه يقتل أباه، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقتل خاله، فانتصر ولاء العقيدة على ولاء القرابة والدم والأرض.
وهذا عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي كان حليفًا لليهود يعلن ولاءه لله ورسوله ويتبرأ من حلفائه من يهود بني قينقاع الذين غدروا ونقضوا عهدهم إذ يعلن على الملأ براءته من حلفائه من يهود مظاهرة لله ورسوله قائلًا: (يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله) . هكذا عندما تعارضت مصلحة العقيدة مع المصلحة الشخصية قدم عبادة بن الصامت ولاء العقيدة وأسقط تحت قدميه ولاء المصلحة الشخصية.
وقد أفاض القرآن الكريم في هذه القضية وركز على ولاء العقيدة والإيمان فقال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) (ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنه منهم. إن الله لايهدي القوم الظالمين) .
لكن الطهطاوي يتغافل عن هذه الآيات البينات في عقيدة الولاء والبراءة ويضرب بها عرض الحائط ويضّيق المفهوم الواسع للولاء والبراء في العقيدة الإسلامية وينادى برابطة جديدة تحل محل رابطة الإسلام.
ولكي يفصل القرآن مبدأ (الولاء) الذي هو مبدأ أساسي في سياسة الأمة الإسلامي، ويبرر أسباب ما يراه فيه فيقول: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) فالآية الأولى تحدد من يكون له الولاء والمودة. وهم الله ورسوله، والمؤمنون الذين يباشرون العبادة والطاعة لله. والآية الثانية تعد بنجاح التماسك في الأمة على أساس مثل هذا الولاء.