الصفحة 90 من 103

ب- جهاده بالسيف أبرزنا فيه دور ابن تيمية في تهيئة نفوس المسلمين للجهاد في سبيل الله ووجوب محاربة التتر لأنهم كفار وملحدون وذلك عن طريق دروس الجهاد التي كان يلقيها على الناس لتقوية قلوبهم على لقاء العدو وانتظار إحدى الحسنيين، أما النصر وأما الشهادة ثم انتقلنا إلى تطور دور ابن تيمية من الدروس النظرية إلى الناحية العملية حيث اشترك في فتح عكا ودوره في ذلك، فكان اشتراكه هذا بمثابة بداية تمرس على القتال لكي يشترك فيما بعد في موقعة تل شقحب، حيث ذكرنا في موقعة تل شقحب دور ابن تيمية في تثبيت المسلمين على لقاء العدو وفتاويه العديدة في المعركة من وجوب حرب التتر لأنهم كفرة.

ثم افتاؤه بجواز الفطر في رمضان في خضم المعركة ثم حمله للسيف ومحاربته للتتر وإظهاره لضروب الشجاعة إلى أن كتب الله النصر على الأعداء كما أبرزنا نتائج عداوة خصوم ابن تيمية والتي تمثلت في سجنه خمس مرات وقلنا إن دور الحكام كان كبيرا في تخفيف وطأة السجن عليه حيث جعلوا منه سجن وقاية له من كيد أعدائه وخصومه ومن سخط العامة عليه لفتاويه الجريئة التي هاجمت العرف السائد في تلك الفترة رغم استنادها إلى آيات وأحاديث من الكتاب والسنة أو سيرة السلف الصالح، ودليلنا على أن سجنه كان وقاية له أن الشيخ كان في راحة عظيمة حيث كان هناك من يقوم بخدمته وهم إخوته كما كانت مؤلفاته وكتبه وأوراقه وأقلامه تحت يده وتصرفه كما كان طلاب العلم يترددون عليه يسألونه ويستفتونه بل كان في بعض الأحيان يخرج من السجن لحضور صلاة الجمعة في الجامع، وما عدا ذلك فقد منع من الخروج منه وما ذلك إلا إمعانا في حمايته من خصومه.

إلا أن الوضع تغير في آخر سجن له في سنة 726هـ في قلعة دمشق حيث كان في بداية أمره في راحة عظيمة بين كتبه ومؤلفاته إلى أن تمكن خصومه من الكيد له وهو داخل السجن كأنه لم يكفهم أنه منع من الخروج منه فقاموا بسلب أعز ما يملكه فأخرجوا كتبه وأوراقه والقلم والدواة ومنع الناس من زيارته إلى أن مرض وتوفى سنة 728هـ/ 1327م.

وقد استطعنا أن نرد على ابن عبد الهادي ومن شايعه من المؤرخين في وصفهم جميع العلماء الذين خالفوا ابن تيمية بأن هذا الخلاف كان ناتجا عن الحقد والحسد وأثبتنا أن هذه التهمة للعلماء كانت غير صحيحة إذ أن معظم خصومه من العلماء كانوا على درجة كبيرة من العلم والديانة، فقد كانت خصومتهم له ناتجة من الاختلاف في الرأي والحوار العلمي الذي كان يسود في تلك الفترة بينهم. ومما يدلنا على ذلك ثناء بعض خصومه عليه أمثال ابن مخلوف وغيره. وبجانب هؤلاء العلماء كان هناك طائفة قليلة من غير العلماء كانوا يحسدونه فاستطاعوا أن يثيروا عليه الأمراء حيث ناله الأذى منهم، ونجد ابن تيمية نفسه يذكر لنا ما يحدث له على يد خصومه حيث يقول:"ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلا .... ولا يخلو الرجل. أما أن يكون مجتهدا مصيبا ... أو مخطئا ... أو مذنبا فالأول مأجور مشكور .. والثاني مع أجره على الاجتهاد معفو عنه مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله" [1] .

ويصور أيضًا ابن تيمية هذا الحوار العلمي والمناقشة للوصول للحقيقة بأنه من مصالح المؤمنين أن يصلح الله بعضهم ببعض. فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. والمؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا يزوال الوسخ إلا بشيء من الخشونة حيث ينتج عنه من النظافة والنعومة ما نحمد ذلك التخشين [2] .

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ28 ص52 - 53.

(2) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ28 ص53 - 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت