حين وصله الجار يحتار في طريقة تعامله معهم فيرسل للسلطان يستشيره في أمرهم فكان ما ذكرناه.
ولعل الدافع الذي جعل خوارزم يتصرف معهم هذا التصرف هو العداوة التي كانت بين الفئتين حيث خشى خوارزم شاه أن يكونوا عيونا لأعدائه تزيونبري تجار لإخفاء مآرابهم وليسهل عليهم الحصول على ما يريدون من معلومات عن دولته والحصول على ما يحتاجون من كسوة وغذاء يتقووا بها ضده، ومما يؤكد هذا الرأي ما أورده ابن الأثير حيث قال:"وصاروا يحاربون عساكر خوارزم شاه فلذلك منع الميره عنهم من الكسوات وغيرها" [1] .
حين وصل تهديد جنكيزخان إلى خوارزم شاه أمر بقتل الرسول وحلق لحى الجماعة التي صحبته وأعادهم إليه ليخبروه بما فعل بالرسول وأنه سيعد له جيشا لا قبل له بمحاربته [2] .
جهز جنكيزخان جيشا كثيفا وسيره لمحاربة خوارزم شاه جزاء ما فعل بالتجار والرسول، فالتقى الجيشان حيث استمات كل منهم في القتال إلى أن انتهى الأمر بتحاجز الفريقين وذهاب كل إلى بلاده [3] .
قام بعد ذلك خوارزم شاه بتحصين بخارى وسمرقند بالعسكر والعدة والعتاد [4] ، ثم سار إلى خوارزم لتجميع الجيوش هناك استعدادا للموقعة الفاصلة [5] ، إلا أن تحصين المدينتين لم يجد نفعا، فقد حاصرها جنكيزخان حصارا شديدا إلى أن طلب أهلها منه الأمان فأعطاهم إياه [6] ، وحين تمكن منهم أعمل فيهم السلب والنهب والقتل، واستخدم في ذلك جميع ضروب الوحشية حيث أسروا النساء والصبيان وفعلوا بهم الفواحش أمام أهليهم [7] .
لم يقف المسلمون مكتوفي الأيدي أمام انتهاكات التتر الوحشية، فقاتلوا بشجاعة دون نسائهم وأهليهم فقتل كثير منهم وأسر البعض فكثر الضجيج في البلد وبكى النساء والصبيان والرجال لهول هذه الأيام [8] .
كان جيش التتر يتصف بالهمجية والوحشية التي استخدموها في مقاتلة أهل البلاد حيث كانوا يؤمنون أهل البلد ثم يغدرون بهم ويعملون فيهم السلب والنهب والقتل ويلقون النار في الدور والمساجد والمدارس بل ويستخدمون أهل البلاد من الأسرى المغلوبين في مقاتلة إخوانهم في الدين لإرهابهم بكثرة عدد جيوشهم [9] . وبطريقتهم هذه استطاعوا أن يستولوا على سمرقند ونيسابور ومازندران [10] .
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ جـ12 ص362، والميره: الطعام يمتاره الإنسان وقد (سار) أهله من باب باع.
أنظر: الرازي: مختار الصحاح ص640.
(2) ابن واصل: مفرج الكروب جـ4 ص40، ابن الأثير: الكامل في التاريخ جـ12 ص363 - 364.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ جـ12 ص364 - 365، ابن واصل: مفرج الكروب جـ4 ص41.
(4) ابن واصل: مفرج الكروب جـ4 ص41، ابن الأثير: الكامل في التاريخ جـ12 ص365.
(5) ابن واصل: مفرج الكروب جـ4 ص41، ابن الأثير: الكامل في التاريخ جـ12 ص365.
(6) ابن واصل: مفرج الكروب جـ4 ص42، ابن الأثير: الكامل في التاريخ جـ 12 ص365.
(7) ابن واصل مفرج الكروب جـ4 ص43، ابن الأثير: الكامل في التاريخ جـ12 ص366.
(8) ابن الأثير: الكامل في التاريخ جـ12 ص366 - 367، ابن واصل: مفرج الكروب جـ4 ص43، ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص83.
(9) ابن واصل: مفرج الكروب جـ4 ص48، كما يذكر ذلك ابن الأثير فيقول أنهم استخدموا أسرى مدينة بخارى في محاربة أهل سمرقند حيث جعلوا على رأس كل عشرة أسرى علم ليظن أهل سمرقند أنهم مقاتله أتوا مدد للتتر، الكامل في التاريخ جـ12 ص367.
(10) سمرقند: بلد معروف مشهور، وهو قصة الصفد، ياقوت: معجم البلدان جـ3 ص246، والصفد: كوة عجيبة قصبتها سمرقند وهي قرى متصلة بالأشجار والبساتين من سمرقند إلى قرب بخارى، ياقوت معجم البلدان جـ3 ص409.
نيسابور: مدينة عظيمة في خراسان معدن الفضلاء ومنبع العلماء وهي دهليز المشرق. ياقوت: معجم البلدان جـ5 ص41.
مازندران: اسم لولاية طبرستان. ياقوت: معجم البلدان جـ5 ص370، ابن الأثير: الكامل في التاريخ جـ12 ص370.