الصفحة 19 من 103

وكان ابن تيمية قد بلغ من العمر سبع سنين حين أغار التتر على حران مما حدا بأسرة ابن تيمية أن تفر من حران إلى دمشق بجميع ما لديها من تراث علمي فنقلت معها مكتبتها الثمينة التي كانت تعتز بها، حيث لم ترضى بمفارقتها رغم المصاعب الكثيرة التي ستلاقيها من وراء ذلك، فحملت كتبها على مركبة، وخرجت هاربة ليلا من حران لم يفارقها الخوف أثناء ذلك من مباغتة التتر لهم، خاصة وأن معهم النساء والصبيان، وزاد من مشقة الرحلة وصعوبتها أن المركبة كانت بدون دواب لعدم توفرها في تلك الأثناء، فكانت تجر بالأيدي وهم يتضرعون إلى الله سبحانه وتعالى -مستعينين به- لكي ينجيهم من هذه الغمة، حتى أنجاهم الله من التهلكة ووصلوا دمشق بسلام [1] . ولنا أن نتصور مدى تقرير هذه الأسرة للعلم وحبها له لهذه الدرجة فقد كانت بطريقتها هذه ستعرض نفسها للهلاك لو استطاع التتر اللحاق بهم، فلم يكن في الوقت متسع إلا للوصول بهم بدون متاع، فما بالنا ومعهم هذه الأثقال من الكتب التي تطلبت منهم وضعها في عربة وجرها بأنفسهم، ولكن الله سلمهم وأيدهم بنصره.

ما كادت الأسرة تحط رحالها في دمشق حتى شاع خبر قدومها بين الناس، إذ أن شهرة الأسرة العلمية قد سبقتهم إلى البلاد، فقد كان أهل العلم عارفين من هو عبد الحليم ابن تيمية وأبوه مجد الدين أبو البركات ومدى تضلعهم في العلم، فلم تمض سوى بضعة أيام حتى باشر الشيخ عبد الحليم التدريس ونشر العلم في الجامع الأموي، ودار الحديث السكريه، وصار في وضع كريم بين الطلبة وعلماء المذهب الحنبلي، فلم تشعر الأسرة في دمشق بالغربة أو الوحشة بل باشرت حياتها كما لو كانت في حران [2] .

في ظل دروس أبيه تربى ابن تيمية وانتهى من حفظ القرآن الكريم منذ وقت مبكر، ودرس علوم الفقه والحديث والعربية، وكان رغم صغر سنه يغشى مجالس العلم والوعظ عند والده وبقية العلماء في حلقاتهم ويشاركهم في المذاكرات العلمية، مما أدى إلى توسع عقله، ونمو مداركه، وتفتح ذهنه، فتحدث عنه معاصروه ومؤرخوه أنه رغم صغر سنه لم يكن يتجه كالصبيان إلى الملاعب والملاهي ويضيع فيها وقته، بل كان جل وقته يقضيه في مجالس العلم والذكر والاطلاع، ولم يلتفت إلى ملاذ الدنيا وحوائجها فذكر لنا البزار عن شيخ ابن تيمية الذي علمه القرآن:"أن والده دفع للشيخ أربعين درهما لكي يعطيها لابن تيمية ترغيبا في حفظ القرآن الكريم ووعده أن يعطيه مثلها كل شهر إن استمر في الحفظ، إلا أن ابن تيمية رفضها وقال لشيخه (يا سيدي إني عاهدت الله تعالى أن لا آخذ على القرآن أجرا) [3] ."

قوة حافظته:

كان ابن تيمية مشهورا منذ الصغر بقوة ذاكرته وسرعة حفظه، وقد ورث هذه النعمة عن والده وجده حيث أنعم الله عليهم بها، وقد فاقهم فيها ابن تيمية، فذكر لنا تلميذه ابن عبد الهادي أن أحد شيوخ حلب قدم دمشق وسأل عنه فدلوه عليه فاختبر قوة حافظته بأن أملى عليه بضع عشرة حديثا من متون الحديث، ثم طلب منه أن يسمعه إياها فقرأها عليه كأحسن ما يكون، ثم طلب منه أن يمحوها وأملى عليه عدة أسانيد ثم طلب منه أن يسمعه إياها، فأسمعه إياها كالمرة الأولى، فقام الشيخ الحلبي وهو يقول: (لئن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم) [4] .

شيوخه:

(1) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص2، الاستانبولي: ابن تيمية بطل الإصلاح الديني ص10، الندوي: رجال الفكر والدعوة في الإسلام جـ2 ص36.

(2) ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة جـ2 ص310، 311، الندوي: رجال الفكر والدعوة في الإسلام جـ2 ص36، 37.

(3) البزار: الأعلام العلية ص44.

(4) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص4، الاستانبولي: ابن تيمية بطل الإصلاح الديني ص10، 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت