* بل في سورة الإسراء عتاب وتأنيب أشد من ذلك، إذ يقول الله تعالى {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا*وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا* إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} وسوءًا كان الذي أراد أن يركن إليه هو ما قاله ابن عباس في قبيلة ثقيف عندما دعاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - للإسلام، حيث شرطوا أن يأخذوا هذا العام ما يهدى للآلهة، أو غير ذلك مما ذكر أهل التفسير إلا أن الصواب أن هذا الذي كاد يركن إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الله اعلم به، المهم أن الله عاتبه على ذلك حتى وإن كان يرى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن هذا في صالح الدعوة كما رأى ذلك في أسرى بدر، وعاتبه القرآن على استبقائهم، وعدم قتلهم فقال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ*لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وكثير مما يطول المقام بذكره بينه الله لنا في كتابه بيانًا يتضح منه أن النقد الهادف الذي يراد منه إصلاح الأمة مطلب شرعي، وما مضى ذكره من العتاب، هو في مواقف تاب الله على أصحابها صلوات الله وسلامه عليهم منها، ومع ذلك ذكرت لنا للعظة، والعبرة ولرسم المنهج الرباني الذي يجب أن نسير عليه ونختط أثره في نقد الرجال، وأخطائهم. وفي هذا البحث لست بصدد رجال تابوا من أخطائهم، واقلعوا عنها، لا ورب الكعبة، وإنما في رجال لا يزالون يخطئون، ويأطرون الأمة على أخطائهم، ويقصرونها عليها قصرًا، ومع ذلك لم نسلم من الطاعنين في هذا النقد وأن هذا ليس منهج الإسلام، وللأسف أن مما مضى ذكره عن الأنبياء يرد عليهم ولكن {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} إذ أن عتاب القرآن للأنبياء، وهم قد تاب الله عليهم ولم يعودوا لما حذروا منه فما بالك بمن هو دونهم من الناس دينًا وفضلًا وصلاحًا، ولا يزالون يرسفون في أغلال أخطائهم؟!!
لذا شرع الله العقوبات الزاجرة في ديننا الحنيف، لكي ننزلها بالمسلمين المخطئين الناكبين عن الصراط المستقيم، فشرع الحدود، وأمر بالتعزير، من سجن، وضرب ونفي، وغيره للمخطئين، وأمر بقطع اليد في السرقة، وبرجم الزاني، أو جلده، و جلد الشارب وقتل المغير لدينه و .... و .... و .... كل ذلك صيانة للأمة من الانحراف والزيغ، ولكي تبقى قيم الإسلام، وموازينه ثابتة سليمة لا يأتيها الباطل لا من بين يديها ولا من خلفها.
إن من الخير للأمة أن تبقى مناهجها، وقيمها، وموازينها، ومبادئها، ثابتة مطردة في جميع جوانبها، ويُمنعُ شغب الشاغبين عليها.
فإن التاريخ الإسلامي عبر العصور ليس كل فعل فعله المسلمون، وليس كل نتاجه لكي نواخذ به، ونؤطر عليه، إنما تاريخ الإسلام، هو ما فعله المسلمون موافقًا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعليه عمل السلف الصالح.
إننا نشكي من أبنا جلدتنا، من العلماء، وطلبة العلم الذين، جعلوا من أنفسهم حصنًا منيعًا لاؤلئك النابتة، الذين جعلوا دين الله وراءهم ظهريا، فكان ظلم اخواننا لنا أشد وقع على نفوسنا من ظلم أولئك الشراذم، فكنا كما قال الشاعر: