الصفحة 18 من 26

وقال ابن القيم رحمه الله في الإعلام 3/ 288 في بيان (خطأ من يقول لا إنكار في مسائل الخلاف) وقولهم إن مسائل الخلاف، لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار إما ان يتوجه الى القول، والفتوى أ العمل.

أما الاول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعا شائعًا، وجب إنكاره اتفاقا إن لم يكن كذلك، فإن بيان ضعفه، ومخالفته للدليل إنكار مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة او إجماع، وجب إنكاره بحسب درجات الانكار، وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها، والفقهاء من سائر الطوائف، قد صرحوا بنقص حكم الحاكم إذا خالف كتابا او سنة إلى أن قال رحمه الله تعالى: وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل بها مجتهدا أو مقلدا وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم والصواب ما عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ فيها إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به الاجتهاد لتعارض الادلة او لخفاء الادلة فيها ألىخر ما قال.

لذا قال ابن تيمية رحمه الله تعالى الفتاوى الكبرى 1/ 373 في مسألة من أنكر على شنبوذ الذي كان يقرأ بالشواذ في الصلاة:

وأما الذي ذكره القاضي عياض ومن نقل من كلامه من الإنكار على ابن شنبوذ الذي كان يقرأ بالشواذ في الصلاة في أثناء المائة الرابعة وجرت له قضية مشهورة فإنما كان ذلك في القراءات الشاذة الخارجة عن المصحف كما سنبينه ولم ينكر أحد من العلماء قراءة العشرة ولكن من لم يكن عالما بها أو لم تثبت عنده كمن يكون في بلد من بلاد الإسلام بالمغرب أو غيره ولم يتصل به بعض هذه القراءات فليس له أن يقرأ إلا بعلمه فإن القراءة كما قال زيد بن ثابت سنة يأخذها الآخر عن الأول كما أن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الاستفتاحات في الصلاة ومن أنواع صفة الأذان والإقامة وصفة صلاة الخوف وغير ذلك كله ... أ. هـ

وأقول متى تكتسب النصوص الشرعية قطعيتها إذا كان لا إنكار في مسائل الخلاف؟!

الجواب لا تكتسب قطعيتها حتى يتفق عليها الرجال، وهنا الطامة الكبرى فلا حجية للشرع، ونصوصه حتى يقرأها، ويتفق عليها الناس، هذا لازم من لوازم لا انكار في مسائل الخلاف!!!!

ولازم آخر، إن كان لا إنكار في مسائل الخلاف، أن نجمع بين الضدين، لتوصم الشريعة بالتناقض، فهذا يبيح وذاك يحرم وهلم جراء.

إن الصواب في ذلك أن نقول ليس كل خلاف معتبر إلا ما كان له حظ من النظر وينبغي أن تربى الأمة على الإذعان لكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتسليم لهما [1]

(1) 2 - وللشيخ محمد الدويش وفقه الله مقال جميل بعنوان فيه خلاف أنقله بنصه للفائدة حيث تحدث عن الكلمة التي تلاك باللسان دون وعي لمعناها (فيه خلاف) أي لا تنكر ولا تعنف فالأمر خلاف، قال الشيخ محمد حفظه الله:

كثيرًا ما تتردد هذه العبارة"هذه مسألة خلافية، هذه مسألة اختلف فيها الفقهاء"... .إلخ ولا نزاع في أن هناك من المسائل ماهي مسائل خلاف واجتهاد بين أهل العلم، وكلام أهل العلم حول مسائل الخلاف والاجتهاد معروف قديمًا وحديثًا، لكنها تثار اليوم بصورة تخرجها من إطار البحث في مسائل الاجتهاد والخلاف:

*فهي في الأغلب تثار حول قضايا لها بعد اجتماعي أو فكري، وليس المقصود الخلاف الفقهي البحت، فكثير من المستغربين على سبيل المثال يثيرون مسائل تتعلق بالمرأة مما نقل فيها خلاف بين أهل العلم، والدافع لذلك أبعد من مجرد الخلاف الفقهي، بل هو تكأة للتغريب سرعان ما يتجاوزون المسألة محل الخلاف إلى مالا خلاف في تحريمه ومنعه ..

*أنها تثار من قبل فئام من الناس ليسوا من أهل العلم والفقه، ولا ممن يفقهون البحث في المسائل الشرعية إنما يتصيدون من أقوال الفقهاء ما يتسق مع أهوائهم

*أنها في الأغلب لا تقتصر على مناطها، فالخلاف الفقهي يتخذ ذريعة لتنزيله على دائرة أوسع ومما ينبغي تقريره في هذه العجالة

*أن هناك فرقًا بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد، فليست كل مسألة نقل فيها خلاف بين أهل العلم تعد من المسائل التي لا إنكار فيها، بل ذلك في مسائل الاجتهاد. ... ثم ذكر كلام ابن القيم الذي ذكرته آنفًا

*أن المرجع في ذلك كله إلى نصوص الكتاب والسنة فمتى صح الدليل وجب الرجوع إليه والأخذ به ولم يسغ اتباع القول الآخر بحجة الخلاف في المسألة. وحين ترد السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أن هناك من خالف في هذه المسألة فهذا يلزم منه أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأوامره لا تكتسب شرعيتها إلا حين يتفق عليها الناس، فمخالفة أحد لها - أيا كان سبب ذلك - ينزع عنها هذه الشرعية ويجعل الأمر واسعًا وهذا مسلك خطير، يحتاج صاحبه إلى أن يراجع إيمانه.

*لابد من الاعتناء بتربية الناس على التسليم لله تبارك وتعالى، وتعظيم نصوص الشرع، وأخذ الدين بقوة، والبعد عن تتبع الرخص وزلات العلماء *الحذر من الدخول في جدل فقهي مع أمثال هؤلاء حول هذه المسائل محل النقاش، فهذا الذين يسعون إليه ويريدونه. فممن الممكن والمقبول أن يبحث المرء المسألة ويناقشها مع طلبة للعلم يدركون اللغة العلمية الفقهية، ويريدون الحق ويسعون إليه، أما أولئك الذين يثيرون هذه المسائل فليسوا يجيدون فهم اللغة العلمية، ولا يعون مقاصد الشريعة، إنما هم رعاع متطفلون قادهم الهوى إلى الخوض في دين الله عز وجل. أ. هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت