ورأيت نقاشًا موسعًا-على صغر حجمها-ألمَّ بجوانب من موضوعات متعددة تنبه إليها أخي الشيخ تركي وحصرها، وخرج بعد بحثها منتصرًا على من ناقشه، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وبقي مؤدبًا متواضعًا مع الخصم، فاتحًا له أبواب الرجوع للحق مشرعة، وحاملًا لراية الوفاق والتوافق، مبسوطة الجوانب.
ومثل هذا ما عرفناه عند عالمين جليلين هما:
1 -حجة الإسلام محمد بن محمد الغزالي، مع خصومه بحيث يورد حجج خصمه كلها، بصورة يعجز عن الإتيان بها صاحبها، ثم يرد عليها، فيزيحها كلها جانبًا [1] ،
(1) - قال المأسور في سبيل عقيدته ودينه عمر بن مسعود الحدوشي المغربي في هامش كتابه: (الإتحاف) (ص:630/ 631) وكان أبو حامد الغزالي مع فرط ذكائه وتألقه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل-الفلسفة-إلى الوقف، ويحيل على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث ومات وهو يشتغل في"صحيح البخاري".
وكان في مناظرته للفلاسفة يبطل طرقهم ولا يثبت طريقة معينة، وأما الطريقة النبوية السلفية المحمدية فإنما يناظرهم بها من كان خبيرًا بها وبأقوالهم التي تناقضها.
وكان ابن العربي المعافري يقول عن أبي حامد: (شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر) ، وحكى عنه أنه كان يقول: (أنا مزجي البضاعة في الحديث) . انظر: (قيد الأوابد) (ص:76\ 77) .
وذكر العلامة أحمد الدهلوي في (تاريخ أهل الحديث) (ص:52) في البرهان التاسع: العلماء الذين رجعوا عما كانوا عليه من التمذهب والتقليد إلى مذهب أهل الحديث، فمنهم:
1 -الشيخ ابن دقيق العيد-رحمه الله-؛ أنه طلب من تلميذه الأُدْفُوي ورقًا، وكتبها في مرض موته، وجعلها تحت فراشه، فلما مات أخرجوها، فإذا هي في تحريم التقليد مطلقًا.
2 -ومنهم الإمام الغزالي-رحمه الله-أنه وضع"صحيح البخاري"على صدره في اليوم الذي مات فيه، وكان يقول: أنا أتوب وأموت على ما هو في"صحيح البخاري"رحمه الله. أو: كما قال-غفر الله له-.
وقال الدهلوي في هامش (تاريخ أهل الحديث) (ص:76) : (إن الإمام الغزالي قد تاب عند الوفاة، ووضع على صدره"صحيح البخاري"؛ رجاءً لحسْن الخاتمة، غفر الله له) .
قلت: كذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابيه: (الاستقامة) ، و (الصفدية) (ص:211) ، والسبكي في (طبقاته) (4\ 10\111) ، وابن كثير في (البداية والنهاية) (12\ 174) .
3 -ومنهم شيخ الأحناف الملا علي القاري-رحمه الله-ذكر رجوع نفسه في (إعراب القاري على أول باب البخاري-وهي مخطوطة في مكتبة الجامعة الإسلامية، برقم: 1590\ 24) له.
4 -ومنهم العلامة منصور بن محمد التميمي-رحمه الله-كان حنفيًا ورجع وترك التقليد، وعمل بالحديث حتى مات-رحمه الله-.
قال الذهبي في (السير) (19\ 116) : (تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكًا في أعين المخالفين، وحجة لأهل السنة) . انظر: (الأنساب) (7\ 139\140) .
5 -ومنهم الحافظ ابن الرومية-أندلسي-رحمه الله، كان مالكيًا ورجع وترك التقليد، واختار مذهب أهل الحديث حتى مات.
6 -ومنهم الشيخ أحمد بن إبراهيم الواسطي-رحمه الله-، كان شافعيًا فرجع وترك التقليد، واختار مذهب أهل الحديث.
7 -ومنهم العلامة ابن المقريزي أحمد بن علي-رحمه الله-، كان حنفيًا فرجع وترك التقليد والتمذهب، واختار العمل بالحديث.
8 -ومنهم الشيخ عبد القادر الجيلاني-رحمه الله-كان حنفيًا، فرجع وترك مذهب التقليد، واختار مذهب أهل الحديث-رحمه الله-
9 -وفي (تاريخ ابن خلكان) (1\ 457) : أبو جعفر محمد بن أحمد-رحمه الله-، كان يقول: (تفقهت على مذهب الحنفية، فرأيت النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في مسجد المدينة عام حججت، فقلت: يا رسول الله! قد تفقهت بمذهب الحنفية، أفآخذ به؟! قال: لا) .
10 -وفي (1\ 301) : أن أبا سعد عبد الكريم الفقيهَ-رحمه الله-، كان حنفي المذهب فحج، وظهر له بالحجاز مقتضى انتقاله إلى مذهب الحديث. كما في (السير) (20\ 456) .
11 -وفي (1\ 445) : أن مبارك بن أبي طالب الوجيهَ النحوي تفقه على مذهب الحنفي، فانتقل إلى مذهب الحديث.
12 -وفي (1\ 436) : أن أبا حامد محمد بن يونس الفقيه-رحمه الله-، انتقل عن مذهب الحنفي إلى مذهب الحديث.
13 -وفي (3\ 86) : أن السلطان المحمود الغزنوي-رحمه الله-، كان على مذهب الحنفي، إلى أن قال: فأعرض السلطان عن مذهب الحنفي وتمسك بمذهب الحديث-رحمه الله-.قال الحدوشي: لكن هذه القصة التي أشار إليها الدهلوي منكرة.
وأضراب هؤلاء خلق كثير، كانوا في كل زمان ومكان لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، ولم يزالوا خَلَفًا بعد خَلَف على الحق إلى يومنا هذا؛ (فنعم أجر العاملين) .
قال محقق: (تاريخ أهل الحديث) (ص:54) : (انظر عددًا كبيرًا منهم في رسالة(التحول المذهبي) لفضيلة الأخ الشيخ بكر أبي زيد، وما هنا تراجم فيه زيادات على كتابه، فلتستدرك).