الصفحة 2 من 105

إلهَنَا، لا تعذب ألسنةً تَتَحَرَّكُ بذكرك، ولا تُحْرِقْ بنارك أعيُنًا نَظَرَتْ في كتابك، وبَكَتْ من خشيتك، ولا قلوبًا خَفَقَتْ بحبك، والشَّوْقِ إلى قُرِبِك، ولا تَرُدَّ أيْديًا رَفَعَتْها الآمالُ إليك صِفْرًا، ولا أقْدامًا سعَتْ إلى مرضاتك لِتَنَالَ أجرًا، إلهنا، أنت أغْنى الأغنياء عن طاعتنا، وأرفَعُ المُنَزَّهين عن إساءَتِنا، فَهَبْ عِصيانَنَا لإحسانِك، وغَطِّ على إجرامنا بعفوك وغفرانك، هذا رجاؤنا في فضلك، وجَّهَتْهُ عُبُودِيتُنا لربوبيتك، وهذا طَمَعُنَا في تَجَاوُزِك، أَثَارَه سَبَق رحمتك لغضبك، وهذا اضطرارُنا لِرِفْدِك [1] ، أَبْرَزَه افتقارُنا لكرمك، وهذا انطراحُنا بين يديك، دَفَع إليه خوفُنا من سَطْوتك، وهذه لَهْفَتُنا وضَرَاعتُنا، فَقَابِلْها بلطفك وغوثك، ها نحن ببابك واقفون فلا ترُدَّنا خائبين، يا أكرم الأكرمين، يا غياثَ المستغيثين، يا أرحم الراحمين يا رب العالمين) [2] .

إلهي، لا تجعلنا مغرورين فنحجب نواظرنا عن أخطائنا، ونصِمَّ آذانَنَا عن النصائح ونغلِقَ تفكيرَنا أمام تجاربِ الآخَرين وجهودهم، ولا تجعلنا مخدوعين فنندَفَعَ في الباطل، ونبتعِدَ عن الحق، ونثقَ بمن لا يستحق شرفَ الثقة، ولا تجعلنا متكبرين فنعطيَ أنفسنا ما ليس لها، ونتعالى بها عن أقرانها، ونفترض لها الحق دائمًا، والكمال أبدًا، ولا تجعلنا ظالمين فنأنَسَ إلى القسوة، ونغتصب ما ليس لنا، ونسلبَ غيرنا حقه المشروع في الكرامة والحرية، ولا تجعلنا فاشلين فنقضيَّ حياتنا بلا غاية، وأيامنا بلا رسالة، وساعاتنا بلا كفاح، ولا تجعلنا جبناء فنضعف عن قولة الحق، ونتخاذل عن مقاومة الباطل، ونتراجع حيث ينبغي لنا أن نتقدم، ولا تجعلنا حاسدين، فنتعذب لنعم الله على غيرنا، ونتعامى عن خيره علينا، ونقضيَّ أيامنا بين شرٍّ واقع، وآخر مقبول [3] .

إلهي، إن كنا قد عصيناك بجهل، فقد دعوناك بعقل، حيث علمنا أن لنا ربًا يغفر لنا ولا يبالي، إلهي، إن كنا قد فرطنا في طاعتك فقد تمسكنا بأحبها إليك، وهي: (شهادة أن لا إله إلا أنت، وأن رسلك جاءت بالحق من عندك) .

إلهي، إن كنا قد عصيناك بارتكاب الموبقات، فقد تركنا أبغضها إليك، وهي: (الإشراك بك) . وأخيرًا يا إلهي، حقق فيك رجاءنا، وأجب بفضلك دعاءَنا) [4] .

(إلهي، اردد لنا الكرة على أعدائك، ووفقنا إلى موجبات نصرك، وأنزل علينا سكينتك، وامددنا بعونك وتأييدك، واجعلنا أكثر نفيرًا، اللهم أقل عثرات المسلمين من عبادك، تحقيقًا لآمالنا في إعلاء كلمتك، وقبل أن نرى فينا غضبك لانتصار الباطل على الحق، وتغلب الجور على العدالة، يا من وعده الحق، وله دعوة الحق، وهو شديد المحال، اللهم ومن أراد الإسلام والمسلمين بسوء، فأشغله في نفسه، واردد كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واشدد عليه وطأتك، واقدر له أسوأ المصائر) [5] .

(1) -الرِّفْد بالكسر: العطاء والصلة.

(2) -هذه مناجاة جميلة-أحسن ما قرأت بزنزانتي في مناجاة العبد لربه-بعث بها إليّ فضيلة شيخنا علَم الأدب سيدي محمد الحسني-حفظه الله-وقال في آخرها: (من تلفيق الفقير إلى الله أبي أويس محمد بن الأمين بوخبزة الحسني عفا الله عنه بمنه) . تاريخ الإرسال: (الجمعة 16 /ربيع الثاني: 1428هـ) . ثم قرأتها في كتابه: (جراب الأديب السائح، وثمار الألباب والقرائح) (2/ 103) وقال في آخرها: (الثلاثاء 26 ذي حجة 1387 وكم ناجيت بها ربي على عدة منابر أدومها منبر جامع العيون) .

(3) -هذه شكوى لحسن البصري-رحمه الله-.

(4) -انتهى من مقدمة كتابي: (القول السديد ... ) (ص:3/ 4) ، و (كيف تفهم عقيدتك ... ؟) (ص:3/ 4) .

(5) -انتهى من مقدمة أم الفضل لكتابي: (نشر العبير في منظومة قواعد التفسير) (ص:24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت