ويتضح من هذا النقد أن البراهين التي قد يخيّل إلى من ينظر فيها نظرة عابرة أنها كافية في تبرير الربا، وإثبات معقوليته، إذا دققنا فيها النظر وسبرنا غورها، بدأ يظهر لنا جليًا ما فيها من مكامن الضعف والوهن. أما الدًّين الذي يؤخذ للحاجات الاستهلاكية الشخصية، فلا دليل على مشروعيته البتة، بل قد اعترف محامو الربا والمدافعون عن مشروعيته بالعجز في بابه وقعدوا عن رفع هذه الدعوى الضعيفة. وأما الدّين الذي يؤخذ للأغراض التجارية والصناعية فإن السؤال الذي يواجه محامي الربا في بابه أنه ما هو الشيء الذي يُعَدّ الربا قيمته وما هو الشيء الجوهري ( Substantial) الذي يعطيه الدائن مدينه مع رأسماله حتى يستحق عليه أن ينال منه قيمته المالية، بل قيمته المالية القليلة للوفاء شهرًا فشهرًا وسنة فسنة. لقد لقي محامو الربا عرق القر. في تشخيص هذا الشيء وتعيينه. تقول طائفة منهم"إتاحة فرصة الانتفاع"ولكن"إتاحة الفرصة"هذه -كما عرفت- لا تجعل من حق الدائن أن ينال عليها قيمة معينة يقينية متزايدة. وإنما تجعل من حقه أن ينال ربحًا متناسبًا إذا كانت تجارة المدين أو صناعته رابحة في واقع الأمر.
وتقول طائفة أخرى: إن هذا الشيء هو"التأجيل"الذي يناله المدين من الدائن مع رأس ماله، لأن لهذا"التأجيل"في حد نفسه قيمة مالية ترتفع بقدر ما يطول"التأجيل"ويقولون: إن كل ساعة منذ يأخذ المدين المال من الدائن ويوظفه في تجارته أو صناعته إلى أن ينتج البضائع ويأتي بها إلى السوق وينال قيمتها، ذات قيمة للمدين، فإنه إذا لم ينل هذا التأجيل أو استُرد منه المال قبل أن يقضي به حاجته، فلن تسير تجارته وصناعته البته، فإن لا شك أن"الزمن"ذو أهمية وقيمة مالية لمن يقترض المال ويوظفه في التجارة والصناعة، فما له إذن أن لا يعطي نصيبًا من ربحه من قد أقرضه المال ومكنه من الانتفاع به؟ ويقولون إن الزمن هو الذي على قدر طوله وقصره تكثر وتقل الإمكانيات لربح المدين، فهل يتعسف الدائن إن كان يُشخّص قيمة ماله على حسب طول الزمان وقصره؟
ولكن يواجهنا في هذا المقام سؤال آخر هو: كيف وبأي طريق يعرف الدائن أن الذي يقترض منه المال ويوظفه في تجارة أو صناعة، لا بد أن تربح تجارته أو صناعته دون أن تلقى نوعًا من الخسارة؟ ثم كيف يعرف أن ربحه سيكون كذا وكذا في المائة فعليه أن يؤدي إليه نصيبه منه بحساب كذا وكذا في المائة؟ ثم بأي وسيلة يعرف أن الزمان الذي يؤجل إليه مدينه، لا بد أن يرجع عليه كذا وكذا من الربح في كل شهر أو كل سنة حتى يقرر قيمته بحساب كذا وكذا من المال لكل شهر أو سنة، فهذه المسائل وأمثالها يعجز محامو الربا عن الجواب عليها بشيء مقنع معقول، والحق -كما قد قلنا من قبل- إنه إذا كان هناك شيء معقول في المعاملات التجارية والصناعية، فإنما هو"المشاركة"بنسبة يتفق عليها الفريقان في الربح والخسارة معًا.