الصفحة 65 من 85

إن كل تغير في الأحوال والحوادث، إذا كان يقتضي التغير في الأحكام أو وضع الأحكام الجديدة، يجب أن نختبره من ناحيتين: الناحية الأولى تحديد نوع هذه الأحوال والحوادث في ذاتها وما هي خصائصها وما هي القوى التي تعمل فيها؟ والناحية الثانية: تحديد الوجه الذي قد حدثت منه فيها التغيرات للآن من وجهة نظر القانون الإسلامي، وما هو التغير الذي يقتضيه في الأحكام كل نوع من هذه التغيرات.

فخذ على سبيل المثال قضية الربا التي نحن بصدد بحثها الآن فإذا أردنا اليوم التدوين الجديد للقوانين الاقتصادية، فعلينا قبل كل شيء أن نستعرض ما عليه الدنيا الاقتصادية في زمننا الحاضر، نسرح النظر ونمعنه بكل دقة في الطرق الجديدة للاقتصاديات والمعاملات المالية ونجتهد في إدراك القوى التي تعمل عملها في باطن الحياة الاقتصادية ونعرف نظرياتها ومبادئها، ونطلع على الصور العملية التي تظهر فيها هذه النظريات والمبادئ وعلينا بعد ذلك أن نرى في الأقسام التي يمكن أن يقسم عليها -بوجهة نظر القانون الإسلامي ما قد حدث في هذه المعاملات من التغيرات بالنسبة للزمن الماضي، وأي نوع من الأحكام ينبغي تنفيذه في كل قسم من هذه الأقسام على حسب طبيعة الشريعة ومقاصدها وأصولها التشريعية. ونحن إذا صرفنا النظر عن الفروع والجزئيات، فلنا أن نقسم هذه التغيرات على قسمين:

1 -قسم للتغيرات التي قد ظهرت في الحقيقة بتغير الأحوال المدنية وهي النتائج الطبيعية لرقي الإنسان ونموه العلمي والعقلي والاكتشافات الجديدة للخزائن الإلهية وارتقاء الأسباب والوسائل المادية والسهولات الحديثة في وسائل الحمل والنقل والمواصلة وتغير وسائل الإنتاج واتساع دائرة الروابط الدولية. فمثل هذه التغيرات تغيرات طبيعية حقيقية من وجهة نظر القانون الإسلامي فلا يراد محوها ولا يمكن، بل الحاجة تقتضي أن توضع الأحكام الجديدة لما قد حدث لأثرها من الصور الجديدة للأحوال الاقتصادية والمعاملات التجارية والمالية حتى يتمكن المسلمون في أحوالها المتغيرة من تكييف حياتهم وصوغ أعمالهم حسب الطراز الإسلامي تمامًا.

2 -والقسم الثاني هو تلك التغيرات التي ليست في حقيقة الأمر بنتائج فطرية لرقي المدنية الإنسانية، وإنما ظهرت لاستيلاء أصحاب الأموال الظالمين -الرأسماليين- على نظام العالم الاقتصادي وشؤونه المالية. إن الرأسمالية [1] الظالمة التي كانت سائدة في العالم في عهد الجاهلية والتي ما زال الإسلام غالبًا عليها ولم يسمح لها برفع رأسها إلى قرون، قد عادت وسيطرت مرة أخرى على العالم الاقتصادي. ووسّعت من نظرياتها القديمة في مختلف شؤون الحياة الاقتصادية بصور شتى مستعينة بأسباب المدنية الحديثة ووسائلها الراقية فالتغيرات التي قد ظهرت اليوم لسيطرة الرأسمالية وغلبتها هذه، ليست بتغيرات حقيقية طبيعية في نظر قانون الإسلام وإنما هي تغيرات صناعية يمكن بل يجب محوها بالقوة لفلاح النوع البشري وسعادته. إن الواجب الحقيقي على المسلم أن يستنفد جهده في محو مثل هذه التغيرات ويسعى

(1) إننا لا نستعمل كلمة الرأسمالية في هذا المقام بمعناها الضيق المحدود الذي يعرف لهذه الكلمة في مصطلح اليوم، وإنما نستعملها بمعناها الشامل المستتر في حقيقة الرأسمالية. أن الرأسمالية المصطلح عليها اليوم، إنما منشؤوها ثورة أوربا الصناعية، ولكن حقيقة الرأسمالية شيء قديم لا يزال يوجد في الدنيا منذ أساس الإنسان قياد مدنيته وأخلاقه للشيطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت