الصفحة 53 من 85

إن الربا -كما قد بينا آنفًا- هو الزيادة التي ينالها الدائن من مدينة نظير التأجيل، وهذا النوع من الربا يصطلح عليه شرعًا بربا النسيئة أي الزيادة بسبب النسيئة وهي التأجيل. وهذا النوع من الربا هو المنصوص على تحريمه في القرآن الكريم وأجمع على تحريمه السلف الصالح والعلماء المجتهدون من بعدهم، وتعاقبت القرون حقبة على ذلك الإجماع ولم يتطرق إليه الريب في عصر من العصور.

ولكن من قواعد الشريعة الإسلامية أنها إذا حرمت شيئًا أوصدت جميع الطرق والأسباب التي تحرض عليه أو تعاون على الوصول إليه حتى لا يهم به الإنسان ولا يقترب منه أصلًا. وذلك ما أبانه نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم بمثل ضربه لأصحابه فقال:"الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير الناس فمن اتقى المشبهات استبر لدينه وعرضه ومن وقع في المشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه" [1] .

وهذه هي الحكمة التي رعاها الشارع الحكيم فأحاط كل شيء حرام بسياج متين من الكراهية والحرمة وأورد قيودًا هينة أو شديدة على وسائل ارتكاب المعاصي على حسب بعدها أو قربها منها.

لقد كان الإسلام إنما نهى عن التعامل بالربا في شؤون الدَّين -القرض- في بادئ الأمر كما روي عن أسامة بن زين رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"إنما الربا في النسيئة"وفي رواية"لا ربا إلا في النسيئة"ولكنه صلى الله عليه وسلم لما رأى الحاجة تقتضي فيما بعد، أحاط حمى الله هذا بسياج من القيود حتى لا يقربه الناس فيترددوا فيه. ومن هذا القبيل ما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء"رواه مسلم وأحمد وأبو داود الترمذي. ومن هذا القبيل تلك الروايات التي نهى فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربا الفضل.

(1) البخاري: كتاب الإيمان باب فضل من استبر لدينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت