الصفحة 52 من 85

شك أن كل ذلك قد أصبح من حاجات حياتنا الأساسية، ولكن ... هل التبعة في خلق هذه الحال على الإسلام المسكين؟ كلا، وإنما قد منينا بمثل هذه الحال لأننا قد هدمنا بأيدينا كل ركن من أركان ذلك النظام الكريم العادل الذي كان الإسلام زودنا به وأرشدنا إليه، فهل يجوز لنا الآن أن ننشد الحل للمعضلات التي خلقناها لأنفسنا بمخالفتنا لقانون من قوانين الإسلام، في مخالفة قانون آخر من قوانينه، ثم لا نطالب إلا الإسلام نفسه بأن يسمح لنا بمخالفة هذا القانون ومعاكسته؟ من ذا الذي يحول بيننا وبين أن نجمع أموال الزكاة بصورة منظمة ونعمل بتعليم الإسلام في التكامل والتضامن الاجتماعي وبقانونه في الإرث، ونقضي حياتنا بالبساطة والأمانة والتقوى والاقتصاد في النفقات؟ ومن ذا الذي يجبرنا على أن ننفق أكثر مما نكسب ونجعل من حاجاتنا اللازمة ما جاءت به الحضارة الغربية من مظاهر البذخ والتبذير، ونميل إلى طرق الكسب الحرام ونختارها حرصًا على التمول واستزادة للثراء، ولا نقنع بطرق الكسب المشروعة؟ ومن ذا الذي قد يأخذ على أيدي أغنيائنا وأولي الفضل منا أن يساعدوا ذوي قرباهم وجيرانهم وأصدقاءهم وأيامى أمتهم ويتاماها وعجزتها وفقراءها ويجبرهم على أن يغدقوا بأموالهم على أصحاب المعامل والمصانع الكبيرة في أوربا وأميركا واليابان؟ ومن ذا الذي يضغط على المتوسطين وقليلي الدخل منا على أن يظهروا بمظاهر الأبهة والكبرياء والتمول محاكاة للأغنياء، وينفقوا على حفلات زواج أولادهم وأفراحهم ومآتمهم أكثر مما تتسع له وسائلهم الاقتصادية، ثم يقترضوا بالربا سدًا لهذه النفقات؟ لا شك أن كل هذه الأعمال التي تورطنا فيها في حياتنا جرائم في نظر الإسلام. فإذا أقلعنا عن هذه الجرائم وأقمنا نظام الإسلام الاقتصادي المتزن مرة جديدة، أزلنا عن سبيلنا كل معضلة اقتصادية تجبرنا اليوم على اقتراف جريمة أكل الربا وإيكاله. ولكن ما دمنا لا نقلع عنها فما لنا لا نقترف الجريمة المتولدة عنها -أكل الربا وإيكاله- معتقدين إياها جريمة على الأقل؟ لأن من ترك الأغذية الطيبة وألقى بنفسه إلى مكان ليس فيه إلا القذر للأكل والشرب والذواق، فله أن يأكل هذا القذر ملء بطنه ويوكله غيره إن شاء، ولكن ماله يصر على أن هذا القذر طاهر طيب لا غذاء أحسن منه وأنفع للبدن؟

فالحاجة كل الحاجة، كما قلت في مفتتح الكلام، أن نفكر ونطيل التفكير أولًا ونقضي قضاء قاطعًا عند أنفسنا قبل أن نأخذ في البحث في مشروعية الربا أو عدم مشروعيته: أي النظامين الإسلامي أم الرأسمالي نريد اتباعه؟ فإن قلنا بالأول، فلا حاجة ولا مجال لنا البتة للتعامل الربوي، لأن المعاملات في هذا النظام تجري بدون المؤسسات القائمة على الربا، والذين يتعاملون بالربا، هم مجرمون في نظره. وأما إن قلنا بالثاني فلا شك أن أتباعنا لنظام الرأسمالية، خروج سافر على الإسلام من حيث مجموعه، ولا بد لنا إذن أن نخالف كل ما يخالف المبدأ الرأسمالي من قواعد الإسلام وقوانينه الاقتصادية ولا معنى بعد كل ذلك لأمنيتنا أن لا نعد آثمين في نظر الإسلامين مع مخالفتنا لقوانينه واتباعنا للنظام الرأسمالي، إلا أننا نريد الإسلام على أن يتبعنا ويسير في ركبنا ويبدل مبادئه ويختار مبادئ الرأسمالية لا لشيء إلا حرصًا على إبقائنا في دائرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت