لا شك أن القرآن قد نهى عن كثير من المنكرات وشد الوعيد في بعضها، ولكن الكلمات التي جاء بها لإعلان حرمة الربا أشد وآكد من الكلمات التي أوردها للنهي عن سائر المنكرات والمعاصي [1] . ومن ثم قد أكد النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن مزاولة الربا وسعى سعيًا متصلًا في القضاء عليه في الدولة الإسلامية المثالية.
كان بنو المغيرة في مكة يأكلون الربا، فألغى النبي صلى الله عليه وسلم كل ما كان لهم على الناس، وكانت لهم على الناس أموال من الربا، فكتب إلى عامله في مكة بقتالهم إن لم يكفوا عن المراباة. وكان عمه العباس بن عبد المطلب من كبار المرابين في العرب، فأعلن عند حجة الوداع:"ألا إن ربا الجاهلية موضوع عنكم كله. لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. وأول ربا موضوع أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب". وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال"هم سواء"رواه مسلم، وللبخاري مثله.
وليست هذه الأحكام تطالب بالقضاء على نوع خاص من الربا أي ربا المرابين، وتدع باب سائر أنواعه مفتوحًا على مصراعيه، بل الذي ترمي إليه هذه الأحكام في حقيقة الأمر أن تستأصل شأفة أخلاق الرأسمالية وعقلية الرأسمالية ونظام الرأسمالية استئصالًا كليًا وتقيم مكانها نظامًا يكون فيه الكرم مكان البخل، والمواساة والتكافل مكان الأثرة وحب الذات، والزكاة مكان الربا، وبيت المال القومي مكان المصرف وشركات التأمين، حتى لا يفضي الأمر إلى تولد حالات يحس الناس لمقاومتها حاجتهم إلى إقامة منظمات التعاون الاجتماعي وشركات التأمين والأموال الاحتياطية ويضطرون -أخيرًا- إلى اللجوء إلى نظام الشيوعية غير الفطري.
فليس إذن إلا من حماقتنا -أنفسنا- وضعفنا وسوء طالعنا أن قد انتثر عقد الإسلام، وتبدد نظامه للأخلاق والاجتماع والاقتصاد، واستولت علينا الرأسمالية بويلاتها، ولم تعد فينا مؤسسة أو منظمة تعني بجمع أموال الزكاة وإنفاقها في طرقها الصحيحة، وصار أغنياؤنا عبيد الدرهم والدينار لا يكسبون إلا لذواتهم، ولم يعد لفقرائنا ما يعينهم على نكباتهم وشدائدهم وقد أضعنا الأخلاق الإسلامية واعتدينا حدودها واحدة تلو أخرى، ونشأ فينا الولوع بالخمر والميسر والزنا، وانغمسنا في ألوان البذخ والترف والنعيم، وأقبلنا على المتعة والشهوات، وجعلنا التبذير بكل معانيه ومظاهره من حاجات حياتنا اللازمة، وصعب علينا أن نعقد حفلات الزواج ونشتري السيارات ونشيد البيوت الشامخة ونهيء لأنفسنا ألوان الزينة والنعيم والشهوات بدون اقتراض الربا، ولم يعد لنا نصيب من روح التعاون والتكافل الاجتماعي والتنظيم العملي، حتى اختلت أحوالنا الاقتصادية وأصبحت حياة كل واحد منا قائمة بتمامها على وسائله الاقتصادية الشخصية حتى لم يجد بدًا -حفظًا لمستقبله- من أن يترك مبادئ الإسلام، ويتبع مبادئ الرأسمالية ويجمع أمواله في المصارف، ويستأمن نفسه في شركات التأمين، ويصبح عضوًا في جمعيات التعاون الاجتماعي، ويسد حاجاته عند الضرورة بالاقتراض من المؤسسات الرأسمالية بالربا. ولا
(1) في حديث النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه والبيهقي عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه:"الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وأن أربى الربا عرض الرجل المسلم".