الصفحة 50 من 85

وكر الأيام. ومهما نال المدين من المنفعة بماله، فإنما تكون منفعة محدودة، وأما الدائن فليس هناك شيء يحد منفعته بإزاء منفعة المدين، وهو أحيانًا قد يصادر أموال المدين ووسائل معاشه بحذافيرها، بل وملابسه وأثاث بيته، ثم لا يزال دينه باقيًا على حاله.

3 -إن المعاملة بين البائع والمشتري تنتهي حالًا مع تمام مبادلة السلعة والقيمة بينهما، ولا يكون بعده أي شيء على المشتري ليؤديه إلى البائع. وكذلك إن الشيء الأصلي الذي يؤدي العوض عن استخدامه في كراء الأرض أو الدار أو المتاع، لا يستهلك ويبقى على حاله ويرد إلى صاحبه بعينه. أما في المعاملة الربوية، فيكون المدين قد استهلك ما يأخذ من الدائن من المال، ثم يكن عليه أن يوجد هذا المال المستهلك نفسه ويرده إلى الدائن مع الزيادة.

4 -إن الإنسان في التجارة والزراعة والصناعة يبذل كفاءته ووقته ثم ينال أجرهما ويستمتع بما يعودان عليه من الربح، ولكنه في المعاملة الربوية يصبح المساهم الأكبر في كسب غيره بمجرد دفعه إليه مقدارًا من المال زائدًا عن حاجاته بدون أن يبذل معه شيئًا من جهوده وأوقاته، فلا يكون بمنزلة المساهم الاصطلاحي المعروف الذي يشارك غيره في الربح والخسارة معًا ولا تكون شركته إلا على الغنم دون الغرم، بل هو شريك يدّعي لنفسه ربحًا معينًا بدون مبالاة لربح مدينه أو خسارته.

فهذه طائفة من الأسباب تفرق بين التجارة والربا من الوجهة الاقتصادية، فتجعل التجارة عاملًا قويًا لتعمير التمدن البشري وترقيته والربا قوة هادمة له. أما من جهة الوجهة الخلقية فمن عين ما تقتضيه فطرة الربا أن يتصف الأفراد في المجتمع بصفات دنيئة كالبخل والأثرة والشقاوة وتحجر القلب وحب المال والتفاني في سبيله، وينفوا عن نفوسهم روح الصفات الفاضلة كالإيثار والمرحمة والتعاطف والتضامن، كأن الربا شيء يأتي على النوع البشري ويقوض بناءه من الوجهتين الاقتصادية والخلقية معًا.

وهذه هي الأسباب التي أحل الله لأجلها البيع وحرم الربا، مع عدم الشك أن لتحريم الربا أسبابًا كثيرة أخرى قد أشرنا إليها من قبل. فهو يحدث في الناس الميل إلى جمع المال وعدم إنفاقه إلا في مصالحهم الشخصية،، ويحول دون تداول الثروة على الوجه الحر في المجتمع، بل يعكس طريق هذا التداول ويوجهه عن الفقراء إلى الأغنياء، فتتكدس ولا تزال تتكدس ثروة الجمهور باستمرار لدى الطبقة المتمولة منهم، مما يوجب هلاك المجتمع بأكمله. وكما لا يخفى على من له نظر في علوم الاقتصاد، وكما أنه لا يمكن الجحود بمضار الربا وعواقبه وآثاره هذه، فكذلك لا يمكن إنكار حقيقة أخرى هي أن الطريق الذي يرسمه الإسلام لتربية الناس تربية خلقية وتنظيم أفرادهم تنظيمًا اجتماعيًا واقتصاديًا، ينافي الربا كل جزء منه، وأن كل تعامل ربوي مهما يكن قد بلغ في الدقة ورأته العين في الظاهر، غير ضار بالمجتمع، فإنه يخل بنظام الإسلام ويحدث فيه الفساد على كل حال، فلأجل ذلك قد شدد الله تعالى أيّما تشديد في تحريم الربا في كتابه الكريم وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) [1] .

(1) سورة البقرة 278 - 279، وقوله تعالى:"فأذنوا بحرب"أي اعلموا ذلك واستيقنوه. انظر تفسير الطبري 6 - 24 - طبعة دار المعارف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت