الصفحة 49 من 85

وتعال نتفكر الآن ما هو الفرق بين البيع والربا وما هي خصائص الربا ومزاياه التي قد جعلته شيئًا مختلفًا عن البيع ولماذا قد حرمه الإسلام بهذه الشدة؟

"البيع"هو أن يقدم البائع سلعته إلى المشتري، فهناك تستقر بينهما قيمة لهذه السلعة ويتسلمها المشتري من البائع نظير هذه القيمة، فهذه الصورة من التعامل لا تخلو من أحد الأمرين: إما أن يكون البائع هيأ هذه السلعة للمشتري بجهده وبإنفاقه عليها ماله أو اشتراها من غيره. فهو في كلتا الصورتين يضيف أجرة جهده إلى رأس ماله الذي أنفقه على السلعة في اشترائها أو تهيئتها، فهذا هو ربحه.

وبإزاء ذلك إن"الربا"هو أن يعطي الرجل رأس ماله رجلًا آخر على أن يرده إليه بزيادة كذا. ففي هذه الصورة من المعاملة إن رأس المال هو نظير رأس المال، ونظير التأجيل هو ذلك المبلغ الزائد على رأس المال، الذي قد تم الاتفاق عليه بين الأخذ والمعطي كشرط في المعاملة. فهذا المبلغ الزائد على رأس المال نظير التأجيل هو"الربا"، وما هو -كما ترى- بأجرة على مال أو شيء وإنما هو أجرة على التأجيل فقط. وإذا اتفق البائع والمشتري على القيمة في البيع، ثم شرط البائع على المشتري أن يؤدي إليه هذه القيمة مع زيادة كذا إن تأجل في أدائها إليه مدة كذا، فإذن لا تكون هذه الزيادة أيضًا إلا من باب"الربا".

فالربا هو الزيادة التي يؤديها المدين إلى الدائن على رأس المال نظير مدة معلومة من الزمن أجّله إليها مع الشرط والتحديد، كأن الربا مزيج من ثلاثة أجزاء: (1) الزيادة على رأس المال و (2) تحديد الزيادة باعتبار المدة و (3) كونها شرطًا في المعاملة. فكل معاملة للدين توجد فيها هذه الأجزاء الثلاثة، هي معاملة ربوية من غير شك.

والفرق الأساسي الذي يمكن عليه أن يكون البيع والربا شيئًا واحدًا من الوجهة الخلقية والاقتصادية هو:

1 -إن تبادل المنافع يحصل على وجه سوي بين البائع والمشتري في التجارة لأن المشتري في جانب يستمتع بالسلعة التي يشتريها من البائع وبالجانب الآخر ينال البائع الأجرة على كفاءته وجهوده وأوقاته التي بذلها في إيجاد تلك السلعة أو تهيئتها للمشتري. ولكن بالعكس من ذلك لا يحصل تبادل المنافع بين الدائن والمدين على وجه سويّ في المعاملة الربوية: يأخذ الدائن من المدين مقدارًا معلومًا من المال بنفسه بدون شك، ولكن المدين بإزائه لا ينال من الدائن إلا تأجيلًا في المدة قد ينفعه وقد لا ينفعه، فهو إن أخذ المال لاستهلاكه في حاجاته الشخصية، فإن هذا التأجيل غير نافع له قطعًا، وإن أخذه لاستغلاله في التجارة أو الصناعة أو الزراعة، فكما أنه يحتمل أن يعود عليه بالمنفعة، كذلك -سواء بسواء- يحتمل أن يعود عليه بالخسارة، كأن المعاملة الربوية إنما تكون إما على منفعة فريق وخساره فريق، أو على المنفعة اليقينية المعلومة لفريق والمنفعة غير اليقينية المعلومة للفريق الآخر.

2 -إن البائع مهما أسرف في أخذ الربح من المشتري فإنما يناله مرة واحدة، ولكن الربح الذي يأخذه الدائن من المدين في المعاملة الربوية. له سلسلة لا تنقطع ولا تزال تتقوى وتستغلظ مع مر الزمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت