الصفحة 37 من 85

ولكن هيهات أن ينتهي بذلك بيان ما للربا من الشناعات والويلات على الإنسانية، بل الحقيقة أن قد زاد إلى مفاسده الذاتية حيث لا حصر لها ذلك التنظيم الذي قد ظهر في الزمن الحاضر بشكل"النظام المصرفي الجديد". وحل محل طرق الربا الرأسمالية القديمة. فالكرسي الذي كان يتربع عليه المرابي من قبل. قد أجلس فيه هذا التنظيم الآن الصيرفي والاقتصادي الجديد وجعل سلاح الربا في يده أكثر مضاء منه في أي زمن من الأزمان الفارطة.

بدء تاريخ النظام المصرفي الجديد:

المرحلة الأولى:

إننا إذا أردنا أن نفهم هذا النظام المصرفي الجديد ونعرف طبيعته، فلا بد لنا أن نكون على بينة من تاريخه الابتدائي:

فبدء تاريخه في البلاد الغربية أن الناس كانوا في العصور التي ما كانت قد لقيت فيها الأوراق المالية رواجها، يجمعون ثرواتهم بصورة الذهب ويودعونها عامة عند الصيرفي لحفظها، وكان هذا الصيرفي يكتب ويعطي كل من يودع عنده شيئًا من المال سندًا يُصرح فيه بأن من حمل هذا السند له كذا وكذا من الذهب وديعة عنده، ثم تدرج الأمر بصورة أن بدأت هذه السندات تتداول بين الأفراد وتنتقل من أحد إلى آخر في البيوع ووفاء الدين وتصفية الحسابات، لأن التعامل بالسندات في مثل هذه المعاملات كان أسهل على الناس من أن يستردوا الذهب من الصيرفي أولًا ثم يتعاملوا به بينهم. فهكذا أصبح عندهم معنى إعطاء السند لأحد إعطاءه الذهب. وهكذا أخذت هذه السندات تقوم شيئًا فشيئًا مقام الذهب نفسه وقلما كان يفضي الأمر إلى استرداد الذهب من الصيرفي، حيث لم يكن يسترده منه إلا من يكون في حاجة إلى الذهب لذاته، لأن جميع المعاملات التي كانت تجري من قبل الذهب كأداة للتبادل، أصبحت تجري الآن بالسندات الورقية الخفيفة الوزن السهلة التداول إذ كان لا يدل كونها عند أحد إلا على أنه مالك لكذا وكذا من الذهب.

أما الصيارفة، فظهر لهم بالتجربة بعد لأي من الزمن أن الذين يودعون عندهم أموالهم لا يستردونها منهم إلا بنسبة زهيدة لا يتجاوز في معظم الأحيان عشرها. وأن تسعة أعشارها تبقى محفوظة لديهم في صناديقهم. فرأوا أن ينتفعوا بها بأنفسهم، فبدؤوا يعطونها الناس قروضًا يتقاضون عليها الربا كأنهم أصحابها الحقيقيين بل كان هؤلاء الصيارفة يتقاضون أصحابها الأجرة لحفظها في جانب، ويعطون غيرهم قروضًا بالربا في الجانب الآخر.

ولم يقفوا عند هذا فحسب، بل بدأ هؤلاء الصيارفة -مع ذلك يقرضون الناس ما كانوا يخلقون على قوة الذهب الموجود في صناديقهم، من السندات الورقية بدل أن يقرضوهم الذهب نفسه إذ كانت سنداتهم تقوم مقام الذهب نفسه في معاملات البيع والشراء وغيرهما، وكانوا قد عرفوا بالتجربة -كما قلنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت