الصفحة 38 من 85

آنفًا- إن الذين يودعون عندهم الذهب لا يستردون منهم إلا عشره في معظم الأحوال. فهم ما خلقوا مقابل تسعة أعشاره الباقية تسعة سندات فحسب، بل خلقوا مقابل قوتها تسعين سندًا ورقيًا مزورًا وشرعوا يُرَوّجونها في الناس ويقدمونها في القروض. وبيان هذا أن الصيرفي إذا كان أحد قد ودع عنده من الذهب ما قيمته عشر جنيهات مثلا، فإنه خلق مقابل قوة هذا القدر عشر سندات صرح في كل واحد منها بأن لديه وراء هذا السند لكل من يحمله من الذهب ما قيمته عشر جنيهات، فسلم أحد هذه السندات العشرة -وكان من ورائه الذهب عنده في واقع الأمر- إلى المودع، وقدم التسعة الباقية -ولم يكن لديه من ورائها شيء من الذهب في واقع الأمر- لإقراض الناس وبدأ يتقاضاهم عليها الربا.

من الظاهر أن هذا خداع سافر لا شبهة فيه. فبهذا الخداع والتزوير خلق الصيارفة 90% من المال لأنفسهم بصور عملة لم يكن لها شيء من الأساس أصلًا وأصبحوا أصحابها بدأوا يفرضونها على المجتمع بصورة الديون ويتقاضونه عليه الربا بسعر 10 أو 12% على كونهم ما كسبوا هذا المال بجدهم وجهدهم أو نالوا عليه حقوق الملكية بطريق مشروع، بل لم يكن هو مالًا في حقيقة الأمر حتى يسوغ لهم بموجب أي مبدأ من مبادئ الأخلاق أو الاقتصاد والقانون أن يروجوه في السوق أداة للتبادل وينالوا به المرافق والخدمات من الجمهور. ولعمر الحق إنه لا يكاد يسمع بهذا الدور الشنيع -الذي لعبه هؤلاء الصيارفة في الحياة الاقتصادية لهذا الزمان- رجل عادي، إلا كان لا بد له أن يتمثل أمام عينيه ما في قانون العقوبات من المواد المتعلقة بجرائم التزوير والختل والدجل، ولا بد أن يتوقع أن يسمع بعده الخبر برفع أمرهم إلى المحاكم والحكم عليهم بعقوبات فادحة يعتبر بها غيرهم. ولكن .. ويا للأسف -كان الأمر على العكس من ذلك تمامًا فإن هؤلاء الصيارفة أصبحوا بأعمالهم القائمة على الخداع والتزوير ممتلكين لناصية 90% من ثروات بلادهم ولم يسلم من الوقع في شبكة دجلهم أحد لا الملوك ولا الأمراء ولا الوزراء الكبار، بل جاءت الحكومات نفسها تستقرضهم أموالًا ضخمة عند الحروب ولحل عقود أزماتها الداخلية، فمنذا ترونه بعد ذلك يتجرأ على أن يتساءل كيف وبأي طريق غدا هؤلاء مالكين لهذا القدر الضخم من الثروة؟ ثم إن الحضارة البورجوازية التي كانت ترفع رأسها في البلاد الغربية متدججة بأسلحة التسامح والحرية الفردية وحق الجمهور في التصويت إزاء النظام الاجتماعي القديم، إنما كان زمام أمرها بأيد هؤلاء الرأسماليين وهم الذين كانوا رافعي لوائها ورواد جيشها وكانت تستند إلى جيش جرار من رجال الفلسفة والأدب والفن قاموا على قدم وساق لشن الغارة على من يعادي ويتجرأ -فردًا كان أو جماعة- على التساؤل عن مصدر ثروة المستر جولد سمث- الصيرفي- ومورد أمواله المتكدسة في خزانته .. فهكذا كان خداع التزوير الذي خلق هذه الثروة، وما سلم من مؤاخذة القانون فحسب، بل جاء القانون بنفسه يعترف له بمشروعيته وجاءت الحكومات تعترف بأن لهؤلاء الصيارفة -وكانوا قد أصبحوا الاقتصاديين وأصحاب المصارف الكبيرة- حقًا في إصدار الأوراق المالية، حتى أصبحت أوراقهم التي يصدرونها تجري في التجارة والصناعة وسائر الشؤون المالية في السوق بصفته أوراقًا نقدية وأداة للتبادل مشروعة.

المرحلة الثانية:

فهذه حقيقة تلك الثروة التي بفضلها أصبح صيارفة الزمن القديم رأسماليين وحاكمين لإقليم الذهب في الزمن الجديد. ثم تقدموا خطوة أخرى كانت شرًا من خطوتهم الأولى وأكثر منها شناعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت