الصفحة 39 من 85

إن العصر الذي كانت فيه هذه الرأسمالية الجديدة ترفع رأسها متعززة بثروتها المزورة، هو العصر الذي كانت تتقدم فيه التجارة والصناعة كالسيل المنجرف في غربي أوربة وتكاد تسحر الدنيا بقضها وقضيضها، وفي ذلك العصر نفسه بدأ يرتفع في أوربة بناء الحضارة الجديدة ويطالب أهلها بالبعث الجديد في كل شعبة من شعب حياتهم من جامعاتهم إلى بلدياتهم. فكان كل نوع من الفعالات الاقتصادية والمدنية في هذه المرحلة من التاريخ في أشد ما يكون من الحاجة إلى رأس المال. كانت التجارات والصناعات الجديدة تستدعي المال للشروع فيها وتحتاج القديمة منها إلى مقدار عظيم منه لرقيها وتقدمها، وتفتقر إليه المشاريع الفردية والجماعية المختلفة لنموها وارتقائها. أما رؤوس أموال العاملين لهذا الرقي أنفسهم، فكانت غير كافية لجمع هذه الأعمال والمشاريع، فلم يكن لديهم لإرواء شباب هذه المدينة بدم الحياة إلا وسيلتان لا ثالثة لهما:

1 -المال الذي كان عند الصيارفة والرأسماليين في زمانهم.

2 -والمال الذي كان عند الطبقات الوسطى والموسرة بصورة الثروة المتكدسة من موارد دخلها.

أما المال الأول منهما فكان يحوزه الرأسماليون من ذي قبل، ويعطونه للديون الربوية، فما كان فلس منها ليرضى بالانصراف في تجارة أو صناعة على مبدأ المشاركة والمضاربة؛ فكل مال حصل للتجار والصناع وغيرهم من العمال الاقتصاديين والمدنيين من هذه الوسيلة، إنما حصل لهم بالاستقراض وعلى شرط أن يؤدوا إلى الرأسماليين ربحهم حسب سعر معين سواء أربحت أم خسرت تجارهم وصناعتهم، وسواء أكان ربحهم قليلًا أم كثيرًا.

فما بقي لهم بعد ذلك إلا الوسيلة الثانية ولم يعد ممكنًا أن يتجه المال إلى الأعمال الاقتصادية ومشاريع الرقي والتعمير على أحسن وجه وأقومه إلا منها، ولكن هؤلاء الرأسماليين احتالوا بمكر جعل هذه الوسيلة أيضًا في أيديهم وأغلقوا عليها الأبواب كلها، حاشا باب القرض الربوي، إذ لم يتركوا بابًا غيره يتسرب منه المال إلى شؤون المدنية والاقتصاد، وهذا المكر أنهم بدؤوا يغرون الناس بالربا ويجذبون إلى صناديقهم أموال جميع أولئك الذي يجمعون عندهم ما يزيد عن حاجتهم أو يجمعون المال بالتقشف في معيشتهم والتقتير في نفقاتهم، وذلك أن هؤلاء الصيارفة -كما علمت من قبل- كانوا على اتصال بهؤلاء منذ زمن قديم وينالون منهم الودائع. فلما رأوا أنهم شرعوا في استغلال أموالهم في التجارة والصناعات بأيديهم وبدأت أموالهم المجموعة تنصرف في اشتراء الأسهم في الشركات بدل أن ترد على صناديقهم بصورة الودائع، جاؤوا يغرونهم بالفائدة -بالربا- ويقولون لهم لماذا تجشّمون أنفسكم هذه المشقة، لأنكم إذا فعلتم هذا، فلا بد أن تقوموا بأنفسكم بأعباء الشركة والحسابات، بل لا بد لكم بهذا الطريق أن تقحموا أنفسكم في خطر الخسارة حيث يؤثر في دخلكم ارتفاع الأثمان مرة وانخفاضها أخرى في السوق. فهاتوا إلينا أموالكم وأودعوها عندنا نحفظها لكم دونما أجرة، ونحن نعاني عنكم مشقة الحسابات بل نؤدي إليكم الفائدة -الربا- عليها.

هذا هو المكر الذي جعل 90% بل أكثر من 90% من أموال الناس المتكدسة تنهال على خزانة الرأسمالي وجعلها تحت تصرفه بدل أن تتجه إلى أعمال الاقتصاد والمدنية مباشرة. وهكذا أصبح الرأسمالي مستويًا -بكل معنى الكلمة تقريبًا- على كل ما كان في البلاد من الأموال القابلة للاستغلال والتي كانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت