الصفحة 63 من 85

والشرط المهم الثاني بعد فهم طبيعة الشريعة ومقتضاها هو إمعان النظرة الشاملة في أحكام الشارع حملة عن كل شعبة من شعب الحياة تقتضي وضع القانون فيها حتى يعرف مقصود الشارع منها، والخطوط التي يريد أن تُنظّم عليها هذه الشعبة، وما هي منزلة هذه الشعبة الخاصة في خطة الإسلام الشاملة للحياة الإنسانية، وما هي المصلحة التي قد راعاها الشارع في هذه الشعبة بمناسبة هذه المنزلة؟ هذا هو الشرط الثاني اللازم لتدوين القانون الإسلامي من جديد، فكل قانون يوضع بدونه أو كل حذف أو زيادة تدخل في القانون القديم بدون فهمه، فلن يكون مطابقًا لمقصود الشارع ولا بد أن ينحرف به القانون عن مركزه. إن القانون الإسلامي لا أهمية فيه لظواهر الأحكام مثل ما هي لمقاصد الأحكام، وإن وظيفة الفقيه الأصلية ألا يغيب عن نظره أبدًا مقصود الشارع وحكمته ومصلحته. وقد تأتي علينا أحوال إذا عملنا فيها بظواهر الأحكام التي أمر بها الشارع للأحوال العامة ضاع عنا مقصود الشارع وعملنا بضده. فمن اللازم في مثل هذه الأحوال أن نترك ظاهر الأحكام ونعمل بما يحقق مقصود الشارع الحقيقي. ولا يخفى عليكم أن القرآن قد أكد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قد أكده النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا، ولكن مع ذلك قد نهى صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الخروج على الأمراء والولاة الظالمين لما استأذنوه في قتال أمثال هؤلاء الأمراء، فقال لهم"لا ما أقاموا فيكم الصلاة"وقال"من رأى منكم من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يده عن طاعته". ذلك بأن مقصود الشارع ومراده الحقيقي هو تبديل الفساد بالصلاح والشر بالخير فإذا كان يخشى من عمل وقوع ما هو أعظم فتنة ولا يرجى منه الخير، فالاحتراز منه خير من الإقدام عليه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه:"مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه وقلت له إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم". فالذي نعلم من هذا أنه يجوز تغيير الأحكام حسب مقتضيات الحوادث وخصائصها ومصالحها، ولكن حيث يحقق مقصود الشارع الحقيقي دون أن يضيعه.

وكذلك هناك من أحكام الشريعة ما جاء بألفاظ خاصة حسب الأحوال الخاصة، فما وظيفة الفقيه أن يكون متقيدًا بهذه الألفاظ على تغير الأحوال، بل عليه أن يدرك من هذه الألفاظ مقصود الشارع ويضع الأحكام الملائمة الجديدة لتحقيق مقصود الشارع في الحالات الجديدة الحاضرة. فمثلًا إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بصاع من التمر أو صاع من الشعير أو صاع من الزبيب في صدقة الفطر. فليس معنى ذلك أن الصاع الذي كان يستعمل للكيل في المدينة في تلك الأيام وأن هذه الحبوب التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم، لا تجوز صدقة الفطر إلا بها، بل إن مقصود الشارع الحقيقي هو أن يتصدق كل ذي سعة مستطيع يوم العيد ما يغني أخاه المسكين ويجعله يقضي ذلك اليوم بين أهله وأولاده بالفرح والمسرة على الأقل. وهذا المقصود من الممكن تحقيقه على وجه آخر إذا كان أقرب للوجه الذي بيّنه الشارع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت