فالشرط الأول الذي يستلزمه تدوين القوانين الفرعية، هو الفهم التام لطبيعة الشريعة ومزاجها، وهو مما لا يحصل إلا بالتدبر في تعليم القرآن وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم فكل من كان له في الكتاب والسنة نظر واسع عميق فله أن يكون عارفًا لطبيعة الشريعة ومزاجها [1] ومن الممكن أن تأخذ بصيرته بيده عند كل خطوة، وتبين له أي الطرق المختلفة يلائم طبيعة الشريعة وأيها يمجها ويخل باتزانها واعتدالها. فكل تغير يدخل في أحكام الشريعة بمثل هذه البصيرة، فإنه لا يكون معتدلًا متناسبًا فحسب، بل سيكون محققًا لمرضاة الشارع في محله الخالص على نحو ما لو كان من الشارع نفسه. ولنا أن نقدم عدة أمثلة على ذلك من سيرة الصحابة رضي الله عنهم: منها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسقط القطع عن السارق في عام المجاعة. ومنها أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أعفى أبا محجن يوم القادسية من الحد وكان قد شرب الخمر. ومنها أن عمر رضي الله عنه كتب إلى الناس أن لا يُجْلَدنّ أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدًا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلًا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار. فهذه الأمور وإن كانت في ظاهر الأمر مخالفة لأحكام الشارع الصريحة، ولكن لا يخفى على من يعرف طبيعة الشريعة أن العدول عن امتثال الأحكام العامة في مثل هذه الأحوال والمصالح موافق كل الموافقة لمرضاة الشارع ومقصوده. ومن هذا القبيل قضية عمر رضي الله عنه في غلمان حاطب بن أبي بلتعة، أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء، فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة وأقروا على أنفسهم، فقال عمر يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم. فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى أن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له، لقطعت أيديهم، وايم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك. ثم قال: يا مزني بكم أريدت منك ناقتك قال بأربعمائة قال عمر اذهب فأعطه ثمانمائة [2] وكذلك إن الذي أمر به عمر في التطليقات الثلاثة كان مخالفًا لما كان عليه العمل قبله في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصديق رضي الله عنه. ولكن لما كانت هذه التغيرات كلها ما أدخلت في الأحكام إلا مع الوقوف التام على طبيعة الشريعة ومقتضاها، لا يقدح فيها بشيء أبدًا أما التغير الذي لا يستند إلى هذا الفهم والبصيرة في طبيعة الشريعة، فإنه يخل باتزانها ويسبب فيها الفوضى والفساد ولا شك.
(1) مما يحسن أن نشير إليه في هذا المقام أن السبب الحقيقي لانغلاق باب الاجتهاد في هذا الزمان أن قد أخرج من تعليمنا الديني درس تعليم القرآن وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد حل محله تعليم طريق خاص من طرق الفقه. بل لا يلقن الطالب هذا التعليم للفقه إلا بحيث يغيب عن ذهنه الفرق الحقيقي بين الأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة والأحكام التي استنبطها الأئمة المجتهدون. والحقيقة أن الإنسان ما دامت لا تحصل له البصيرة التامة والنظر البعيد في القرآن، وما دام لا يدرس سنة الرسول صلى الله عليه وسلم درسًا عميقًا، لا يستطيع أن يفهم طبيعة الإسلام وأصول قانونه. فذلك ما لا غنى عنه للاجتهاد، وهو لا يحصل بمجرد درس كتب الفقه وتدريسها ولو طول الحياة.
(2) أعلام الموقعين لابن القيم ج1 ص33 (فصل: تغير الفتوى بتغير الأحوال) .