الوسيلة الوحيدة لتمويل التجارة والصناعة وغيرهما من المشاريع المدنية، حتى آل الأمر إلى أن بدأ الرأسمالي -وكان من ذي قبل يقرض الناس بالربا رأسماله المزور- ينال المال من غيره بسعر رخيص ويقدمه بالربا لغيرهم بسعر عال، لأنه جعل من المستحيل أن ينال أحد من التجار والصناع مالًا من غيره بشرط غير شرط السعر الذي عيّنه هو للربا في السوق. فالذين بقوا يحبون على كل ذلك -وأقلل بهم عددًا- أن يستغلوا أموالهم في تجارة أو صناعة بأنفسهم بدل أن يستغلوها فيهما بواسطة الرأسمالي إغراهم الرأسمالي بنيل ربح معين مضمون على كل حال، فأصبحوا يؤثرون الأسناد التجارية ( Debentures) على إشتراء السهام على الوجه المعروف، لأنها كانت تضمن لهم ربحًا معينًا على كل حال.
وقد كمل هذا الوضع الغريب التفريق بين الناس ووزعهم إلى فريقين لم يبق بد لأحد من أفراد البلاد بعده إلا أن يكون أما من هذا أو ذلك: أصبح في جانب، جميع أولئك الأهالي الذين يعملون في مزارع الاقتصاد والمدنية ولا يتوقف إنتاج البلاد الثقافي والاقتصادي إلا على جهودهم ومساعيهم وكفاءاتهم، وصار الجانب الآخر أولئك الشرذمة القليلون الذين يتوقف على مائهم -المال- ري هذه المزارع كلها. أبى أصحاب الماء أن يتعاونوا مع العاملين في المزارع بالرفق والعدل والقسط ورسموا خطتهم على ألا يستعملوا أبدًا ما عندهم من الماء حسب ما تقتضيه المصلحة الجماعية، بل حسب ما تقتضيه مصلحتهم هم أنفسهم، مصلحتهم المادية البحتة فقط.
وكذلك قضى هذا الوضع الجديد ألا تكون الحضارة الفتية التي كادت تحكم العالم كله، إلا حضارة مادية بحتة ويكون سعر الربا هو مقياسها الرئيسس الذي لا تتعين فيها كل قيمة شيء وقدره إلا على حسبه. وذلك أنه لا تتوقف مزرعة الحضارة في ازدهارها إلا على الارتواء بماء رأس المال وإن هذا الماء قد عينت كل قيمة قطرة منه ماليًا حسب سعر الربا. فإن كان من الممكن على هذا أن يبذر شيء في مزرعة الحضارة البورجوازية وإن كان ثمة إنتاج يستحق القدر فيها فإنما هو ذلك الشيء الذي يعود على صاحبه بربحه المالي مباشرة أو غير مباشرة إلى ذلك الحد -على الأقل- الذي قد عينه الرأسمالي القائد الأكبر لهذه الحضارة بشكل سعر الربا.
وكذلك إن هذا الوضع الجديد قد طوى عصر حكم كل من القلم والسيف، وألقى بمقاليد الحكم كلها إلى"ديوان حسابات الرأسمالي"وجعل في أنف الجميع -بما فيهم الفلاحون والعمال ومؤسسات التجارة والصناعة الكبيرة والدول والحكومات القومية- خطامًا غير مرئي قبض الرأسمالي على جانبه وبدأ يقودهم به حيث يشاء.
المرحلة الثالثة:
ثم تقدمت فئة الرأسماليين خطوة أخرى ونظمت حرفتها على صورة ما يعرف الآن بالنظام المصرفي الجديد ( Modern Banking System) وكان هؤلاء الرأسماليين يعملون من قبل منفردين مستقلين بعضهم عن بعض. ولا شك أنه كانت هناك بعض أسر رأسمالية منهم، كانت قد توسعت دائرة فعاليتها الاقتصادية حتى أصبحت على صورة كصورة الدوائر المالية الكبيرة وانتشرت فروعها في نواحي الدنيا القريبة والبعيدة. ولكن ما كانت هذه الأسر، على كل هذا إلا أسرًا مستقلة لا تعمل إلا باسمها. فخطر ببالها بعد ذلك أن تشكل شركات"لحرفة المال"وتنظمها على نطاق واسع- كما تنظم الشركات