ويسيَّر أمرها بالأموال المشتركة- في سائر شعب الاقتصاد. فهكذا برزت إلى حيز الوجود هذه المصارف التي نراها مبثوثة مسئولية اليوم على نظام المالية في الدنيا كلها.
وطريق هذا التنظيم الجديد بكلمات وجيزة أن عدة من أصحاب المال ينشئون مؤسسة مالية يسمونها"المصرف". وأن المال الذي يستعمل في هذه المؤسسة يكون على نوعين: رأس مال المساهمين وبه يبتدئ العمل، والودائع وهي ما يتلقاه المصرف من الناس بكمية وافرة على قدر ما تتسع دائرة عمله ويذيع صيته وعلى أساسه يزيد نفوذه وتتوافر قوته. والمقياس الحقيقي الذي يقدر به نجاح المصرف هو أن يكون عند رأس ماله الذاتي -رأس مال المساهمين فيه- على أقل مقدار ممكن وتكون والودائع- رأس مال المودعين لديه- على أوسع مقدار ممكن. وخذ لذلك مثلًا"مصرف بنجاب القومي"وقد كان من أنجح المصارف وأكبرها في القارة الهندية قبل وجود باكستان وكان مركزه في لاهور. فما كان رأسه ماله الذاتي إلا عشر ملايين روبية ما كان أدى منها المساهمون فعلًا إلا أكثر بقليل من ثمانية ملايين روبية، ولكن كانت ودائعه التي كان يستعملها سنة 1945 نحو 520 مليون روبية. والعجيب بعد هذا كله أن المصرف على رغم أنه كان يسيَّر شؤونه كلها بما اجتمع عنده من الودائع، وهي قد تبلغ 90 - 95 بل 98% أحيانًا من مجموع ما لديه من مال فإنه لم يكن للمودعين أي حق في التدخل في نظامه وإداراته وسياسته، وإنما كان ذلك كله بيدي المساهمين الذين هم المالكون للمصرف على حين لا يكاد يبلغ رأس مالهم 2 أو 3 أو 4 أو 5% من مجموع الموجودات عنده. ليس للمودعين إلا أن يسلموا مالهم إلى المصرف ثم يظلوا ينالون منه الفائدة -الربا- على حساب سعر معين. أما"كيف يستعمل المصرف هذا المال وعلى أي وجه يتصرف فيه"فشيء لا حق لهم أصلا أن يعنوا به ويتكلموا فيه برأي، فإنه إنما يرجع إلى المساهمين ولا يتعلق إلا بهم، فهم الذين ينتخبون العمال لتولي مختلف أعمال المصرف وهم الذين يرسمون سياسته وهم الذين يشرفون على إدراته ونظامه وحساباته ولا يتوقف إلا على مشيئتهم القضاء بالطرق التي ينبغي أن يتجه أو لا يتجه إليها مال المصرف. ثم إن هؤلاء المساهمين لا يكونون جميعًا بمنزلة متساوية، لأن المساهمين الصغار المتفرقين لا يكون لهم نفوذ في المصرف إلا في حدود لا تكاد تذكر، وإنما يكون عدد ضئيل من المساهمين الكبار مستولين على هذه البحيرة ولا يتصرف فيها غيرهم فعلًا.
لا شك أن المصرف مؤسسة تسدي إلى الجمهور خدمات بين صغيرة وكبيرة لا يساورنا الشك في وجاهة بعضها ومنفعتها وأهميتها ومشروعيتها. ولكن وظيفته الحقيقية إنما هي فتح الاعتمادات وتقديم المال للناس بالربا. وكل مصرف -سواء أكان من المصارف التجارية أم من المصارف الصناعية أم الزراعية أم من أي نوع آخر -لا يقوم بأعمال التجارة والصناعة والزراعة بنفسه، وإنما يقدم المال للذين يتعاطون هذه الحرف من الجمهور ثم يتقاضاهم الربا عليه. وإن أكبر وأهم وسيلة من وسائل ربحه هو أن يتلقى المال من المودعين بسعر رخيص ويقرضه الجمهور بسعر مرتفع. وكل ما يحصل للمصرف على هذا الوجه من الدخل، يتوزع بين المساهمين كما يتوزع الدخل بين الشركاء والمساهمين في سائر المؤسسات والشركات التجارية بنسبة سهامهم فيها [1] .
(1) مما يناسب هذا المقام أن نفصل على وجه الإيجاز أعمال المصارف وفعالاتها وقواعدها حتى نتبين على بصيرة ما للمصارف من المنزلة الحقيقية:
إن الودائع لدى المصرف تكون على نوعين كبيرين: (1) ودائع محددة الأجل ( Fixed deposites) و (2) ودائع تحت الطلب ( Current Deposites) أما الودائع المحددة الأجل فإن اتفاق المتعاقدين يحدد بشأنها الوقت الذي يجوز استردادها فيه ولا يكون عادة أقل من ثلاثة أشهر. وأما الودائع -تحت الطلب فيكون لأصحابها الحق في استردادها في أي وقت شاؤوا. ومن قواعد التنظيم المصرفي أن تكون الفائدة التي يدفعها المصرف مرتفعة على قدر ما يطول أو يقصر الوقت الذي لا يسترد المودع فيه ماله. وقد تدفع بعض المصارف شيئًا من الفائدة على الودائع تحت الطلب أيضًا غير أن القاعدة التي تجري عليها المصارف عادة في هذه الأيام ألا تدفع عنها شيئًا من الفائدة. بل الذين يستردون من ودائعهم مرة بعد مرة وعلى أقدار وافرة، تتقاضاهم المصارف أجرة على حفظ أموالهم وحساباتها، أو تطالبهم بأن يودعوا لديها جزءًا من أموالهم بصفة دائمة حسب نسبة معلومة من هذه الأموال، حتى نستعيض برباها عن النفقات التي تبذلها لحفظ أموالهم وحساباتها.
يحتفظ المصرف في يده بجزء يتراوح بين 10 و25% من موجوداته بصورة نقدية حتى يتمكن من استعماله والانتفاع به في معاملاته اليومية. ثم يفرض بعد ذلك جزءًا منها سوق المال ( Money Market) وهو مما يبقى تحت يده تقريبًا قابلًا للاستعمال في أي وقت كالنقد الموجود لديه، فلا يكون سعر الربا عليه إلا 1/ 2 أو 1% عامة. ثم ينفق جزءًا منها في الحوالات والقروض القصيرة الأجل، ولأن المال لا يلبث أن يرجع منها إلى المصرف في مدة قصيرة، يكون سعر الربا عليها أيضًا رخيصًا نحو 2 أو 4%. ثم أن المصرف ينفق الجزء الأعظم من موجوداته في أشياء تضمن له في جانب حفظ المال إلى أقصى مدة ممكنة ويكون من الممكن استرداد المال منها ببيعها، وفي الجانب الآخر ترجع عليه بسعر نحو 3 أو 4% كضمانات الحكومات ( Government securties) وأسهم الشركات الموثوق بها وأسنادها التجارية. لا يخلو نظام أي مصرف من المصارف في فعالاته عن هذه الطرق الثلاثة لتوظيف المال، لأنها تضمن له البقاء والحياة وتقوي ساعده وتسند ظهره وتساعده عند الخطر والأزمات الشديدة.
ثم أن طريقًا مهمًا لتوظيف المصرف ماله مع هذه الطرق الثلاثة هو تقديم القروض لأصحاب التجارات والصناعات والحرف الأخرى وذوي المكانة في المجتمع والمؤسسات الجماعية. فهو أكبر وسيلة من وسائل دخل المصرف لأن المصرف ينال منه أكبر قدر من الربا لا يناله من غيره، فلذا يحب كل مصرف أن يتاح له أوسع ما يكون من الفرصة لتوظيف أكبر جزء من موجوداته في هذه الوسيلة وكثيرًا ما يوظف فيها ما بين 30 و69% من مجموع موجوداته وهو يزيد وينقص حسب ما يطرأ على أحوال البلاد وأحوال الدنيا السياسية الاقتصادية من التغييرات والتبديلات.
ولعله قد اتضح لكم بهذا التفصيل أن الطرق التي توظف المصارف فيها أموالها وفيها ودائع الناس ورأس مالها الذاتي أيضًا -كلها من طرق القروض الربوية وهي تفرض على المجتمع التاعس فرضًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ثم أن الشيء الذي يناله المودعون من المصرف باسم"الفائدة". إن هو إلا جزء من ذلك الربا الذي تناله المصارف من المجتمع بهذه الطرق. ونقول مرة أخرى أن المصرف مؤسسة تؤدي إلى الجمهور أنواعًا من الخدمات لا يشك في مشروعيتها وأن الأجرة أو الخصم عليها وسيلة من وسائل دخله ولكن الحق أن هذه الوسيلة لا تشكل أكثر من 5 - 10% من مجموع دخل المصرف.