وتقول طائفة أخرى إن جلب المنفعة صفة ذاتية لازمة لرأس المال، فاستغلال المرء لرأس مال غيره يجعل من حق الدائن عليه أن يطالبه بالربا ويلزمه أن يؤديه إليه كيفما شاء شهرًا فشهرًا أو سنة فسنة، وأن رأس المال يقدر أن يكون مساعدًا على إنتاج الأدوات الاستهلاكية وإعدادها، لأن الإنتاج يكثر بكثرة رأس المال ويقل بقلته، وأنه يمكن بمساعدة رأس المال أن تنتج أحسن البضائع بمقادير وافرة وتوصل إلى الأسواق العالمية الكبيرة، وأن البضائع تكون قليلة ورديئة ولا يمكن إيصالها إلى الأسواق الكبيرة إذا كان رأس المال قليلًا، مما يدل دلالة واضحة على أن طلب الربح صفة لازمة لرأس المال في حد نفسه، فلذلك يصح القول بأن مجرد استغلال رأس المال يجعل من حق صاحبه أن ينال عليه الربا.
ولكن الحقيقة أن الدعوى بأن جلب الربح صفة ذاتية لرأس المال غير صحيحة، لأن هذه الصفة لا تتولد في رأس المال إلا عندما يوظفه الإنسان في تجارة أو صناعة مثمرة، ولا يمكن إلا في مثل هذه الصورة وحدها. لكم أن تقولوا إن المدين عليه أن يؤدي إلى دائنه نصيبًا من ربحه لأنه ينتفع من ماله ويوظفه في عمل مثمر، أما الذي يقترض المال ليعالج نفسه أو أهل بيته أو يكفن ميتًا من أقربائه فأي قدر اقتصادي ينشئه رأس المال لهذا المسكين، وأي ربح مالي يجلبه إليه حتى يكون من حق الدائن أن ينال منه نصيبه؟
ثم إن المال الذي يوظف في الفعالات الاقتصادية المثمرة، ليس من شأنه أن يولد قيمة زائدة في كل الأحوال، حتى تصح الدعوى على أساسه بأن جلب الربح صفة ذاتية لرأس المال، فإنه كثيرًا ما ينقص إذا وظف بكثرة في التجارة أو الصناعة، بل يرجع بالخسارة على صاحبه. وإن الأزمات ( Crisis) التي تنتاب الدنيا بالتجارية بين آونة وأخرى، ليس لها من سبب إلا أن الرأسماليين عندما يوظفون -ولا ينفكون يوظفون- أموالهم في التجارة بصفة متتابعة يكثر عليه الإنتاج ويتضخم، تبدأ أثمان البضائع تنخفض، حتى أن التجار لا يبقى لهم أي رجاء في الربح لكثرة البضائع النازلة في السوق وانخفاض أثمانها. زد على ذلك أنه إذا إذا كان جلب الربح ذاتية لرأس المال، فإنما يتوقف ظهورها بالقوة على عوامل كثيرة أخرى كجهود الذين يستغلونه وكفاءتهم وذكائهم وتجربتهم وبذلهم السعي لحفظه من آفات الزمان فهذه وأمثالها شروط لازمة ليجلب رأس المال الربح، فإذا ما انعدم شرط من هذه الشروط فقد رأس المال هذه الصفة، بل قد تنقلب في أكثر الأحيان إلى جلب الخسارة؛ ولكن الدائن في التعامل الربوي لا يتحمل على عاتقه أي تبعة في توفية هذه الشروط للمدين فلا يكون له أي حق في أخذ الربا من مدينه، بل الذي يدعيه الدائن في التعامل الربوي أن استعمال ماله -في حد ذاته- يُلزم المدين أن يؤدي إليه الربا، سواء أظهرت له منه صفة جلب الربح أم لم تظهر.
وإذا ما قلنا -تسليمًا بالجدل- إن رأس المال يجوز في حد ذاته صفة جلب الربح ويستحق عليه الدائن أن ينال نصيبًا من هذا الربح، فما هي القاعدة التي يُعرف بها -بصفة قاطعة -أن رأس المال يجلب كذا وكذا من الربح في كذا وكذا من المدة؟ وأنه حتم على الذين يستغلون المال بالاقتراض أن يؤدوا عليه الربا بسعر كذا وكذا شهريًا أو سنويًا؟ وإذا سلمنا بأنه من الممكن معرفة هذا السعر وتعيينه بقاعدة من قواعد الحساب، فإننا عاجزون -على كل حال- عن أن نعرف وجه المعقولية في ما إذا أعطى الرأسمالي ماله سنة 1955م مؤسسة تجارية لعشر سنوات ومؤسسة أخرى لعشرين سنة، بالسعر الرائج