الصفحة 83 من 85

إن البحث الذي سقناه في النظام المصرفي الجديد، ما كان معناه -ولا يمكن أن يكون- أن نظام المصارف خاطئ من أساسه لا صلاح فيه البتة، بل الحق أن هذا النظام شيء نافع مهم من حسنات المدنية الغربية الجديدة قد نجس باشتماله على عنصر شيطاني مع عناصره الأخرى. فهو أولًا يقوم بكثير من الخدمات المشروعة التي هي نافعة للحياة المدنية والحاجات الاقتصادية اليوم، ولا بد منها، كتحويل النقود من مكان إلى آخر، وتسهيل التعامل مع البلاد الخارجية والاحتفاظ بالممتلكات الثمينة وإجراء سندات الاعتماد وشكات السفر والأوراق المالية المتداولة وبيع سهام الشركات وكثير من خدمات الوكالة ( Agency) التي يقوم بها المصرف اليوم للرجل المشتغل بأموره المهمة الكثيرة لقاء خصم زهيد ويخلصه من كثير من المتاعب فهذه وأمثالها أمور تدعو الحاجة إلى أن تبقى جارية على كل حال وأن تكون من مؤسسة مستقلة. ثم مما هو نافع جدًا في حد ذاته للتجارة والصناعة والزراعة وسائر شعب المدنية والاقتصاد، ولا بد لها منه بالنسبة للأحوال الحاضرة، أن يجتمع في خزانة مركزية كل ما يفضل عند أفراد المجتمع من المال ثم يتهيأ منها لكل شعبة من شعب الحياة بكل سهولة كلما دعت إليه الحاجة، مكان أن يبقى مبعثرًا عند هذا وهذا من أفراد المجتمع ولا ينفع المجتمع بأي وجه من الوجوه، بل الأفراد أنفسهم يهيء لهم هذا النظام السهولة من جهة أن يجمعوا جميعًا في خزانة مركزية ما يفضل عندهم من المال من حاجاتهم على حدة وأن يعمل هناك على توظيف مالهم المجموع بصفة جماعية في شأن مثمر وتوزيع الربح الحاصل بينهم على أحسن طريق ممكن، بدل أن يسعى كل واحد منهم ويلتمس بصفته الفردية الفرص لتوظيف ماله. زد على كل ذلك أن عمال المصرف والمتولين لمختلف شؤونه تكون لهم مهارة وبصيرة فنية لا تكون للتجار والصناع ولا لغيرهم، وذلك لانقطاعهم إلى الاشتغال بالأمور المالية ومزاولتها. فهذه المهارة الفنية شيء ثمين جدًا في حد ذاته، ومن الممكن أن نثبت شيئًا نافعًا جدًا كذلك بشرط ألا يبقى سلاحًا لأثرة الرأسمالي فقط بل يستعمل في التعاون مع التجار وغيرهم من أصحاب الحرف الأخرى. ولكن الشيء الوحيد الذي قد حول منافع النظام المصرفي وحسناته هذه كلها إلى سيئات ومضار بحق التمدن الإنساني هو الربا وحده، والعنصر الثاني الذي قد انضم إليه وعاونه على شره هو أن الثروة التي يجذبها الطمع في الربا من جيوب الأفراد ويركزها في المصرف، تنقلب إلى ثروة لا يملكها فعلًا إلا عدد قليل من الرأسماليين وهم الذين يصرفونها حسب أهوائهم بطرق بالغة النهاية في معاداة المجتمع فإذا ما أزيلت عن النظام المصرفي هاتان السيئتان، أضحى عملًا طاهرًا وأنفع للمدنية بكثير منه اليوم، ولا عجب أن يكون هذا الطريق الطاهر الآخر أنفع بحق الرأسماليين أنفسهم بمرات من المراباة من الوجهة المالية البحتة.

والذين يزعمون أن الناس سوف يمسكون أيديهم عن إيداع أموالهم في المصارف بعدما يلغى عنها نظام الربا، مخطئون في زعمهم يقولون: ما للناس أن يودعوا أموالهم في المصارف ما داموا لا يرجون منها شيئًا من الربا؟ نعم. إنهم سوف لا يرجون منها الربا، ولكنهم سوف يرجون منها الحلال. ولأن هذا الإمكان للربح لا يكون معينًا ولا محدودًا، فسيكون إمكان الربح الكثير مساويًا لإمكان الربح القليل إن لم يكن أكثر منه، وفي الوقت نفسه ستظل المصارف قائمة بالخدمات التي لأجلها يرجع إليها الناس اليوم. فمن القاطع البين الذي لا مجال فيه للريب أن الأموال سوف تنهال على المصارف حتى بعد إلغاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت