الصفحة 84 من 85

نظام الربا كما هي تنهال الآن. بل لأن الناس ستغمرهم الرفاهية وترقى تجارتهم ويتضاعف دخلهم فسوف تكون ودائعهم في المصارف أكثر مقدارًا منها اليوم.

أما ما يكون من هذه الأموال المودعة لدى المصارف في الودائع تحت الطلب ( Current Account) ، فلا توظفه المصارف في عمل مثمر، كما إنها لا توظفه فيه اليوم، وسوف تستعمله عامة في عملين كبيرين: أولًا في التعامل النقدي العادي بينها وبين المودعين. وثانيًا في تقديم القروض القصيرة الأجل إلى التجار بدون الربا وسحب مبلغ حوالاتهم بدون الربا. أما الأموال التي تودع لدى المصارف لمدة طويلة، فلا تصرفها أيضًا في تقديم القروض الربوية إلى الناس، بل ستوظفها -بإذن من المودعين- على طريق المضاربة في الأعمال التجارية والمشروعات الصناعية والزراعية والأعمال المثمرة الأخرى للحكومات والمؤسسات الأهلية مما ستتم بموجبه فائدتان عظيمتان: أولاهما أن مصلحة الرأسمالي ستتحد مع مصلحة التجارة، ولا تزال التجارة، مستندة إلى المال على قدر حاجتها إليها، كما ستنعدم منها الأسباب التي بناء عليها تنتاب الدنيا الربوية اليوم نوبات الكساد والبوار ( Trade Cycle) . وثانيهما أن البصيرتين المتضاربتين اليوم -بصيرة الرأسمالي في تقليب ماله وبصيرة التجار والصناع في تجارتهم وصناعاتهم- سوف تنقلبان متساعدتين متعاونتين بينهما، مما يرجع نفعه عليهم جميعًا. ثم إن المنافع التي ستحصل عليها المصارف من هذه الوسائل، ستوزعها بين مساهميها والمودعين فيها أموالهم بنسبة متفق عليها بينهم بعد أن تنقص منها تكاليفها الإدارية، فغاية الفرق الذي سيحدث في هذه القضية أن الأنصبة من الأرباح ( Dividends) إذا كانت لا توزع اليوم إلا بين المساهيم فقط ولا يؤتى المودعون إلا الربا، فإنها سوف توزع وقتئد بين المساهمين والمودعين معًا. وأنه إذا كان المودعون إنما ينالون اليوم الربا حسب سعر معين فإنه لا يكون إذ ذاك أي تعيين لسعر الربا، بل سوف توزع جميع الأرباح -قليلة كانت أو كثيرة- بين المساهمين والمودعين حسب نسبة معينة. أما خطر الخسارة أو الإفلاس، فلا يكون إذ ذاك أكثر منه اليوم: إن الخطر وإمكان الربح غير المحدود مختص اليوم بمساهمي المصارف فقط فسوف يشاركهم فيها إذ ذاك المودعون أيضًا.

ولم يبق الآن إلا مضرة للمصرفية هي أن كل ما يجتمع اليوم لدى المصارف من المال، لا يستولي عليها ولا يتصرف فيها فعلًا إلا عدد قليل من الرأسماليين، فممن الممكن تدارك هذه المضرة بأن يتولى بيت المال أو مصرف الدولة شؤون الصرافة المركزية ( Central Banking) كلها بنفسه مباشرة ويقوم على جميع المصارف الشخصية من نفوذ الحكومة وتدخلها وإشرافها ما لا يدع الرأسماليين يشطون في استعمال قوتهم المادية.

إن هذا الرسم البسيط المجمل الذي عرضناه في هذه الصفحات للوضع المالي غير الربوي، هل لأحد -بعد أن ينظر فيه نظرة- أن يشك في إمكان إلغاء نظام الربا؟

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت